في ذكرى رحيل لينا بن مهني (27 جانفي 2020)
ذاكرة الثورة… وصوت الشباب الذي لم يصمت
في مثل هذا اليوم، 27 جانفي 2020، غابت لينا بن مهني جسدًا، لكنها بقيت حيّة في الذاكرة الجماعية لتونس، وفي وجدان ثورتها، كأحد أنقى الأصوات التي واجهت القمع بالكلمة، وكسرت جدار الخوف بالتدوين، وحوّلت الجسد الواهن إلى أداة مقاومة لا تلين.
لينا بن مهني، المولودة في 22 ماي 1983، لم تكن مجرّد ناشطة حقوقية أو مدوّنة أو صحفية، بل كانت مشروع حرية كامل. ابنة المناضل اليساري الصادق بن مهني، أحد رموز معارضة السبعينات وعضو مجموعة “آفاق” وأحد مؤسسي فرع تونس لمنظمة العفو الدولية، وابنة أستاذة اللغة العربية، ورثت عن العائلة معنى الالتزام، وعن التجربة معنى التضحية. منذ شبابها، اختارت أن تكون في صفّ المقموعين، لا على الهامش ولا في منطقة الأمان.
رغم معاناتها الصحية وخضوعها لعملية زرع كِلية سنة 2007، تبرّعت بها لها والدتها، لم تتراجع لينا عن حضورها الميداني والفكري. جسدها كان هشًّا، لكن إرادتها كانت صلبة، وعنيدة، ومتصالحة مع فكرة المخاطرة من أجل الحق.
برز اسم لينا بن مهني مبكّرًا في معركة حرية التعبير ومقاومة الرقابة على الإنترنت. دوّنت أحداث الحوض المنجمي سنة 2008، وكانت من أبرز الوجوه في تحركات المدوّنين ضد حجب المواقع، من “سيّب صالح” إلى “نهار على عمّار”، وصولًا إلى “اليوم الوطني لحرية التدوين” في 4 نوفمبر 2010. لم تكن التدوينة لديها مجرّد رأي، بل شهادة، ووثيقة، وفضح ممنهج لآليات القمع.
مع اندلاع انتفاضة ديسمبر 2010 – جانفي 2011، تحوّلت لينا إلى عين الثورة الرقمية. نقلت للعالم صور الاحتجاجات والجرحى، وأرسلت فيديوهات من مختلف الجهات إلى برنامج “مراقبون” على قناة فرانس 24. وفي 9 جانفي 2011، شدّت الرحال إلى الرقاب بسيدي بوزيد، صوّرت الجرحى في المستشفى المحلي، ونشرت الصور في مدونتها لتنتشر عالميًا، في وقت كانت فيه السلطة تحاول إخفاء الحقيقة. لم تكن تنقل الخبر فقط، بل كانت تضع النظام أمام مرآته.
نشرت أساسًا في مدونتها الشهيرة “بنيّة تونسية” التي أطلقتها سنة 2007، وكتبت بالعربية والفرنسية والإنقليزية، فوسّعت دائرة التأثير، وربطت المحلي بالكوني. كما ساهمت بفاعلية في موقع “الأصوات العالمية”، وكانت من أعضائه المميزين.
بعد الثورة، عُيّنت عضوًا في الهيئة الوطنية المستقلة لإصلاح الإعلام والاتصال في مارس 2011، لكنها سرعان ما قدّمت استقالتها في 27 ماي من نفس السنة، مفضّلة الاستقلالية على الموقع، ومؤكدة أن الحرية لا تُدار من داخل الهياكل حين تفقد روحها النقدية.
رُشّحت سنة 2011 لنيل جائزة نوبل للسلام إلى جانب أسماء عربية بارزة، وهو ترشيح كشف حجم تأثيرها، كما كشف أيضًا حدّة الاستقطاب داخل المجتمع التونسي. انقسم الناس حولها، لكن التاريخ لا يُكتب بالإجماع، بل بالجرأة.
حظيت لينا بن مهني بعديد التكريمات الدولية، من بينها جائزة شون ماكبرايد للسلام (2012)، وجائزة مينيرفا، وجائزة أفضل مدونة من “دويتشه فيله”، إلى جانب جائزة الصحافة العالمية من جريدة “الموندو” الإسبانية. ومن أبرز أعمالها كتابها “بنيّة تونسية: مدوّنة من أجل ربيع عربي”، الذي عرّى القمع وفضح الاستبداد، وكان شاهدًا مكتوبًا على زمن الخوف وكسر الصمت.
اليوم، ونحن نستحضر ذكراها، لا نفعل ذلك من باب الحنين فقط، بل من باب المسؤولية. لينا بن مهني ليست ذكرى شخصية، بل ذاكرة وطنية. هي ضمير الثورة الرقمية، وصوت جيل لم يرضَ بالصمت، ولم يقبل أن يُختزل في روايات السلطة أو أن يُستعمل بعد الثورة ثم يُنسى.
سلامًا إلى روحك يا لينا،
وسلامًا إلى روح والدك المناضل الصادق بن مهني،
ولتظلّ صورتك في الذاكرة التونسية رمزًا للنقاء الثوري، وللكلمة التي قاومت، وللجسد الذي تعب لكنه لم ينكسر.
بقلم عمر الوسلاتي

