بملامح نُقشت عليها قسوة الجفاف وسنوات من التهميش، تنطلق منوبية الماجري (ربة بيت)، إحدى متساكنات جبل الرّيحان، من احواز بوعرادة في الصباح الباكر، في رحلة بحث شاقّة عن الماء الصالح للشراب بمحيط “عين مقرة” لعلها تظفر بكمية قليلة تكفيها لاعداد وجبة غداء.
منوبية، هي واحدة من حوالي 200 ساكن بقرية جبل الريحان بمنطقة بوعرادة التابعة لعمادة الاحواز ولاية سليانة، يرزحون تحت وطأة العطش منذ سنوات جرّاء غياب الماء الصالح للشرب وجفاف العيون الجبلية والآبار التي كانت مصدر الماء الوحيد للأهالي.
تقول، منوبية، لـ “راديو متطوعون”:” نحن نُعاني العطش. لم نجد ماء للاستحمام ولا للشرب ولا لغسل ملابسنا أو تنظيف منازلنا، ألسنا تونسيين؟”. تُضيف”: لماذا لا يعاملوننا على أننا تونسيون ويتواصلون معنا ويستمعون الى مشاغلنا ويوفرون لنا الماء الصالح للشرب ويهيئون لنا الطرقات؟”.

لا تستطيع منوبية وجيرانها الحصول على ما يسدّ الرمق الا بعد مشقة وعناء كبيرين، حيث تبعد العيون الجبلية والآبار مئات الأمتار عن التجمع السكني. وتتعمق المعاناة في رحلات البحث الليلية المحفوفة بالمخاطر لاضطرارهم للنزول في الظلام الدامس نحو آبار مكشوفة وخطيرة لجلب كميات شحيحة من المياه إضافة الى ما يرافقها من تعب مع ارتفاع درجات الحرارة صيفا وتدنّيها شتاء.
تفيد بأنه ليس لديها ماء لتسقيه لأطفالها ولا يوجد ماء لتحممهم أو تغسل لهم ملابسهم، وتؤكد بأنها تقضي الليل دون نوم فقط لكي تتمكن من جمع قطرات قليلة من الماء.
تتابع منوبية: “نواجه الخطر لنعود في النهاية بخمس لترات من الماء تفوح منها رائحة الطين ولا تستجيب لشروط الصحة”. تتابع “: هناك عينا مائية أخرى تسبح فيها الحيوانات البرية مثل الخنازير لكننا نضطر للشرب من مياهها الملوثة”.
لم تظهر انعكاسات التغير المناخي على سكان جبل الريحان فحسب، بل شملت الحيوانات البرية التي نفق بعضها عطشا ونزح البعض الاخر الى القُرى والمنازل بحثا عن الماء. فقد جفت أغلب الآبار والعيون المائية الموجودة مثل “بئر سيدي خليف” و “بئر بكار”، و”عين الكرمة”، و “عين مديوني”، و “عين الزبدة” و “عين مقرة” و “عين الخروبة” وما تبقى منها يسير بخطى حثيثة نحو الجفاف.
يؤكد ساسي بالذيب، أحد متساكني المنطقة، أن المأساة الاجتماعية لأهالي جبل الريحان تعمّقت مع اضطرار الأهالي لشراء صهاريج مياه على نفقتهم الخاصة بمبالغ باهظة تُثقل كاهلهم ولا تتماشى مع مقدرتهم الشرائية، حيث يتراوح ثمن الصهريج الواحد بين 100 و120 دينار.
يقول بالذيب لـ “راديو متطوّعون”: اكتفت المصالح البلدية بجلب صهريج واحد مرة واحدة فقط ثم انقطع هذا الدعم وتُركنا في مواجهة مصيرنا لوحدنا”.
تتعمق معاناة أهالي قرية جبل الريحان والمناطق المجاورة مع غياب طرقات معبدة تؤدي الى وسط مدينة بوعرادة وتهرّي المسالك الفلاحية، وغياب المرافق العمومية فيواجهون صعوبات في قضاء حاجياتهم اليومية. ويزداد الأمر سوءًا في فصل الشتاء حيث تعيش المنطقة في عزلة تامة عن العالم الخارجي، مع انقطاع هذه المسالك.

وأكد الأهالي في تصريحات متطابقة لـ “راديو متطوعون”، أن مطالبهم بسيطة ومشروعة ولا تتعدى توفير مياه الشرب وتعبيد الطريق لفك العزلة عنهم، مشيرين الى ضرورة تدخل السلطات لحلحلة الإشكاليات التنموية والاجتماعية والاستماع الى مشاغل الأهالي.
من جهتها أكدت عضوة المجلس المحلي بـبوعرادة، زينوبة عرفاوي، أن هناك مساعٍ لحل أزمة المياه في المنطقة، حيث تم التدخل الرسمي مؤخراً لمعاينة إحدى العيون في جبل الريحان وسيتم العمل على اتخاذ إجراءات لفائدة الأهالي. وكشفت العرفاوي عن وجود برنامج مستقبلي لتهيئة وتعبيد أحد المسالك بالجهة، وفق تعبيرها.
جيهان نصري.

