مدرسة سيدي عامر… نقطة ضوء تطل من الشمال الغربي!

مدرسة سيدي عامر… نقطة ضوء تطل من الشمال الغربي!
لا يوجد هامش للإبداع، بل طاقات تنتظر نافذة صغيرة لتطل منها على العالم.
مدرسة سيدي عامر مدرسة ريفية فازت في برنامج تحدي القراءة العربي بدبي. قد يبدو الخبر في ظاهره إنجازًا مدرسيًا، لكنه يحمل دلالة أعمق؛ فهذه المدرسة لم تكن ضمن المدارس التي شملها مشروع «مكتبات الخيال» الذي أطلقته جمعية متطوعون بوعرادة، ومع ذلك استطاعت أن تقدم نموذجًا لما تختزنه المدارس الريفية من طاقات إبداعية وقدرات على التميز.إن هذا النجاح يعيدنا إلى جوهر مشروع «مكتبات الخيال» الذي انطلق سنة 2016، بمبادرة من الكاتب كمال الرياحي، وبمساهمة جمعية متطوعون بوعرادة، بهدف زرع المكتبات في المدارس الريفية، وإعادة الاعتبار إلى المدرسة باعتبارها الفضاء الأول الذي تتفتح فيه ملكات الخيال، وتُكتشف فيه المواهب، ويُمنح فيه الأطفال حق الحلم والإبداع.
من مكتبة محمود المسعدي ببوجليدة – العروسة، إلى مكتبة الصغير أولاد أحمد ببيجقة – بوعرادة، ومكتبة محمد العريبي بالجليدة – بوعرادة، ومكتبة لينا بن مهني بعين قسيل، ومكتبة فاطمة حداد الشامخ، ومكتبة بشيرة بن مراد بعين دراهم، ومكتبات محمود الغالي وحاتم المكي ومحمد أيمن بن عمر، تتواصل رحلة زرع الكتاب في الأرياف، وتوسيع حق الأطفال في الثقافة والمعرفة.لكن المكتبات لم تكن نهاية الطريق.لقد تحولت القراءة إلى كتابة، وأثمرت ورشات الكتابة الإبداعية إنتاجات أدبية للأطفال، من بينها «كبرعم لامسته الريح فأزهر»، و«نزهة في حدائق بيض»، ثم مجموعة «أفنان».لم تكن هذه الإصدارات مجرد كتب تحمل أسماء أطفال مبدعين، بل كانت شهادة على أن الخيال لا يعرف الحدود الجغرافية، وأن القدرة على الكتابة والإبداع لا ترتبط بمركز أو هامش.ومن هنا، تحولت الإنتاجات الأدبية والفنية إلى فعل تضامن ثقافي وإنساني. فمن خلال مبادرات مثل «جيل غدوة… نعاونوه اليوم»، أصبحت عائدات بيع الكتب واللوحات الفنية وسيلة لمساعدة أطفال الأرياف على العودة المدرسية، في نموذج يجعل من الثقافة أداة للتضامن، ومن الإبداع موردًا للأمل، ومن المساعدة فعلًا يحفظ الكرامة الإنسانية.
فبدل أن يكون الطفل موضوعًا للمساعدة، يصبح جزءًا من دورة ثقافية وإنسانية متكاملة: يكتب، وينتج، ويساهم بإبداعه في مساندة أقرانه.
هكذا نريد للتضامن أن يكون؛ تضامنًا لا يقوم على الشفقة، بل على الاعتراف بقدرات الأطفال وطاقاتهم، ويحفظ إنسانيتهم وكرامتهم.
وقد واكبت الصحافة التونسية هذه التجربة، وسلطت الضوء على إنتاجات الأطفال ومبادرات الجمعية، من خلال تغطيات وكالة تونس إفريقيا للأنباء، وجريدة المغرب، والشروق، والصباح نيوز، وإذاعة تونس الثقافية وغيرها.
لم تكن هذه التغطيات مجرد أخبار عن نشاط جمعياتي، بل شهادات على تجربة ثقافية واجتماعية تثبت أن ما يحدث في المدارس الريفية يستحق أن يُرى وأن يُروى.
وفي مدرسة سيدي عامر، يتواصل هذا المسار من خلال ورشات الكتابة، والروبوتيك، والفنون البصرية، إيمانًا بأن المدرسة يجب أن تكون مختبرًا للخيال، ومشتلًا للمواهب، وفضاءً يستطيع فيه الطفل أن يكتب قصته، ويصنع روبوته، ويرسم عالمه، ويكتشف قدرته على تغيير واقعه.واليوم، ونحن نستعد لزرع مكتبة جديدة بمدرسة صرى رابح بعين دراهم، تتأكد قناعتنا بأن المدرسة الريفية ليست هامشًا ثقافيًا، بل فضاء غنيًا بالطاقات التي تحتاج فقط إلى من يفتح أمامها نافذة.مدرسة سيدي عامر تقول لنا إن الإبداع لا يحتاج دائمًا إلى مكتبة كي يولد، لكنه يحتاج إلى فرصة كي يزهر.
إنها نقطة ضوء تطل من الشمال الغربي لتقول إن الهامش ليس غيابًا للقدرات، وإن أطفال الريف ليسوا أقل قدرة على الإبداع، بل يحتاجون إلى فضاء يؤمن بأحلامهم، وإلى من يمنحهم فرصة اكتشاف أنفسهم.نحن لا نزرع مكتبات فحسب، بل نفتح نوافذ للخيال.
ولا ننتج كتبًا فحسب، بل نبني مسارات للتضامن تحفظ الكرامة الإنسانية.
بقلم عمر الوسلاتي