الأطفال لا يولدون مجرمين… نحن نصنعهم

الأطفال لا يولدون مجرمين… نحن نصنعهم
لا يمكن اختزال ظاهرة تنامي الجريمة لدى الأطفال في شماعة “تقصير الأولياء” أو “تفكك الأسرة” كما تفعل الخطابات الشعبوية التي تبحث عن عدوّ سهل. الحقيقة أكثر عمقاً وتركيباً: الجريمة بين الأطفال هي مرآة لمجتمع ذكوري، سلطوي، يغلق المنافذ ويكبت الطاقات منذ السنوات الأولى.في المدرسة، يُعامل الطفل كمتلقٍّ صامت، لا يُسمح له بالسؤال ولا يفترض أن يعارض.
في الجامعة، يُنزع النقد من المناهج كما تُنزع الأسوار من السجون القديمة.في المسجد، يُستنسخ خطاب واحد لا يقبل تعددية التأويل.وفي الفضاء العام، تُهيمن لغة الإقصاء والوصم بدل ثقافة الحوار.هكذا يترعرع الطفل داخل نظام ثقافي وتربوي ذكوري يقدّس الطاعة ويشكّ في الإبداع، ويعتبر السلطة قيمة في حد ذاتها. يصبح الذكور نموذج القوة، والسيطرة، والحسم، وتصبح كل أشكال الاختلاف ضعفاً يجب إسكاتُه.ومثلما تقتل الذكورية حرية المرأة، فإنها تقتل خيال الطفل قبل أن يشتد عوده.مجتمع يربّي أبناءه على الامتثال لا السؤال، وعلى الخضوع لا التجريب، يُنتج بالضرورة أشكالاً من العنف المقنّع أو المنفلت. فالطفل الذي يُمنع من التعبير يصبح طفلاً ينفجر، والطفل الذي يُقال له “اسكت” لسنوات طويلة يجد في النهاية طريقة للصراخ، ولو عبر الفعل الإجرامي.إنّ مسؤولية الدولة ليست أمنية فقط، بل بيداغوجية وثقافية بالأساس:مراجعة المناهج التي لا تزال سجينة التلقين، فتح فضاءات للنقاش داخل المدارس والمعاهد، تدريب المدرّسين على التربية على الحرية لا على الردع، إدماج ثقافة حقوق الطفل في المؤسسة التربوية، وتغيير التصورات الاجتماعية التي تطبع الذكورية كمعيار نجاح وقيمة عليا.الأطفال لا يولدون مجرمين.لكنهم قد يصبحون كذلك في مجتمع يخاف الإبداع، يخاف السؤال، ويخاف الحرية.إنّ المعركة اليوم ليست فقط لحماية الأطفال من الجريمة…بل لحماية المجتمع من نفسه.
بقلم عمر الوسلاتي
#chroniques
#الاطفال_لا_يولدون_مجرمين
#associationvolontaires
#radiovolontaires