العقوبة السجنية في المخالفات الجبائية: حين تُدار الأزمة بالعقاب لا بالإصلاح
تعيش تونس اليوم مفارقة خطيرة في سياساتها الجبائية، مفادها أنّ الدولة التي تعلن سعيها إلى تشجيع الاستثمار، ودمج الاقتصاد الموازي، وتحقيق العدالة الجبائية، تعتمد في المقابل مقاربة جزائية متشددة تجعل من السجن أداةً مركزية للتعامل مع المخالفات الجبائية، حتى تلك ذات القيمة المالية المحدودة. هذا التوجه، الذي تعزّزه النصوص المتعلقة بالفوترة الإلكترونية الواردة بالملحق عدد 10 لسنة 2025، لا يطرح فقط إشكالًا قانونيًا، بل يكشف خللًا اقتصاديًا عميقًا في فهم أسباب العجز المالي وطرق معالجته.فالتجريم الواسع لمخالفات جبائية إجرائية، وتهديد الفاعلين الاقتصاديين بعقوبات سالبة للحرية بسبب فواتير لا تتجاوز أحيانًا ألف دينار، لا يمكن اعتباره سياسة ردع ناجعة، بل هو عامل طرد مباشر للنشاط الاقتصادي المنظم. حين يتحول الخطأ الإداري إلى خطر سلب الحرية، يصبح الانخراط في المنظومة الجبائية مخاطرة غير محسوبة، ويدفع ذلك آلاف صغار التجار والحرفيين إلى الانكفاء نحو الاقتصاد الموازي بدل الاندماج فيه.إنّ الاقتصادات التي نجحت في تقليص التهرّب الجبائي لم تفعل ذلك عبر السجون، بل عبر التدرج، والحوافز، والعقوبات المالية المتناسبة. أما العقوبة السجنية، فهي في هذا المجال سلاح ثقيل، لا يُستخدم إلا في حالات الغش المنظم والتهرب واسع النطاق، لا كأداة تأديبية عامة. فاقتصاديًا، كلفة إيداع شخص واحد في السجن تفوق في عديد الحالات قيمة الخطية الجبائية الممكن استخلاصها، وهو ما يجعل الدولة تخسر ماليًا مرتين: مرة بسبب توقف النشاط، ومرة بسبب تمويل العقوبة نفسها من المال العام.وتزداد هذه المفارقة حدّة حين تُقارن صرامة العقوبات المسلطة على صغار الفاعلين الاقتصاديين بحجم الخسائر المسجلة لدى عدد من المؤسسات العمومية. فحسب معطيات وزارة المالية، الواردة بتقارير المنشآت العمومية والملحقة بقانون المالية لسنة 2025، بلغت خسائر الشركة التونسية لصناعة التكرير حوالي 1902,9 مليون دينار، وخسائر ديوان الحبوب أكثر من 701,4 مليون دينار، فيما تجاوزت خسائر الشركة الوطنية للسكك الحديدية 199,8 مليون دينار، وشركة نقل تونس 226,5 مليون دينار، إضافة إلى خسائر متراكمة بديوان التجارة والخطوط الجوية التونسية وغيرها من المنشآت العمومية. هذه الأرقام، التي تخص السنة المحاسبية 2022، تبيّن بوضوح أن أزمة المالية العمومية لا تعود إلى حرفي لم يصدر فاتورة، بل إلى اختلالات هيكلية في الحوكمة والخيارات الاقتصادية.إنّ الاعتماد المفرط على العقوبة السجنية في المجال الجبائي لا يؤدي فقط إلى شلّ الدورة الاقتصادية، بل يساهم أيضًا في تفكيك النسيج الاجتماعي الهش، ويدفع فئات واسعة نحو الهجرة غير النظامية أو الانقطاع النهائي عن النشاط المنظم. بذلك تتحول السياسة الجبائية من أداة تنظيم وإدماج إلى عامل احتراق اقتصادي واجتماعي، يُغذّي الإقصاء بدل أن يعالجه.
الاستثمار، سواء كان محليًا أو أجنبيًا، لا يأتي إلى بيئة قانونية تُجرّم الهفوة الإدارية، وتُساوي بين الخطأ الصغير والغش الكبير. فالمستثمر يبحث عن وضوح، وتناسب، واستقرار تشريعي، لا عن منظومة عقابية تُلوّح بالسجن بدل الإصلاح. ومن دون مراجعة هذا التوجه، يبقى الحديث عن مناخ أعمال جاذب مجرد شعار منفصل عن الواقع.إنّ المطلوب اليوم ليس التساهل مع التهرّب الجبائي، بل عقلنة مواجهته. وذلك يمرّ عبر حصر العقوبات السالبة للحرية في حالات التهرّب الجبائي الجسيم والمنظم، واعتماد العقوبات المالية التصاعدية، وتوسيع آليات التسوية والمصالحة الجبائية، وخلق مسارات إدماج حقيقية للاقتصاد الموازي بدل محاصرته جزائيًا. فالدولة القوية لا تُقاس بعدد المساجين، بل بقدرتها على تحصيل مواردها بعدالة ونجاعة.نحن اليوم أمام خيارين واضحين: إمّا الاستمرار في سياسة العقاب السجني التي تقتل ببطء الحركة الاقتصادية، أو الانتقال إلى إصلاح جبائي عقلاني يجعل من القانون أداة بناء لا وسيلة ردع أعمى. والفرق بين الخيارين هو الفرق بين دولة تبحث عن الاستثمار، ودولة تُحاكم اقتصادها بدل إنقاذه.
المصدر:
– الملحق عدد 10 لسنة 2025 المتعلق بالفوترة الإلكترونية، المرفق بقانون المالية.
– تقارير المنشآت العمومية، وزارة المالية، الأرقام المحاسبية لسنة 2022.


