تونس والمشهدية… حين يتحوّل الألم إلى فرجة

تونس والمشهدية… حين يتحوّل الألم إلى فرجة
لم يمرّ يوم دون أن تنقل إلينا شاشات الهواتف فاجعة جديدة: حزنًا عاريًا، أو وجعًا يُبَثّ مباشرة. لقد سمحت وسائل التواصل لأصوات الهامش أن تصل، لكنها في المقابل حوّلت الألم الإنساني إلى مشهدية فرجوية مكثّفة، تُضاعف الوجع بدل أن تُنصفه.الكاميرا لم تعد أداة شهادة، بل صارت آلة تضخيم. فالمصوّر الذي يتقدّم إلى الفاجعة لا يحمل، في كثير من الحالات، لا أخلاق الصحافة ولا أخلاق المجتمع؛ لا يبحث عن حقيقة ولا عن مساءلة، بل عن ضحية. يحتاج إنسانًا مكسورًا ليبكي أمام الناس، ليعرّيه من كرامته، ويحوّله إلى موضوع فرجة لا موضوع تضامن. لا يحفظ له حرمة لحظة ألمه ولا صمت حزنه، بل يقتات من دموعه ويبيع وجعه تحت قناع التعاطف.هكذا يتحوّل الحزن، مهما كان عظيمًا، إلى مادة بصرية لجلب التفاعل السريع، ثم يأتي الإعلام لاحقًا ليمنحه اسمًا رائجًا: «تراند». تُختزل المأساة في دورة استهلاك عاطفي: صورة، دمعة، مشاركة، ثم نسيان. لا مساءلة، لا مسؤولية، فقط غرق جماعي في حزن بلا معنى.تابعنا آباء وأمهات فقدوا أبناءهم تُنقل فجيعتهم في لحظة انكسار قصوى، وتابعنا مآسي تُبثّ مباشرة كأنها عرض حي. في كل مرة، يصبح الإنسان بطل مشهد، ويغدو من يصوّر، باسم الدعم، تاجر أوجاع يضاعف الألم ويسلب الكرامة في أكثر اللحظات هشاشة.نحن أمام عالم يقتات من الدموع والدماء، أو من فرجة أكثر تفاهة. لا عقل زمن الأزمة، لا صمت زمن الحزن، ولا مسؤولية زمن الكارثة. والإعلام، وقد جُرّد من الإرادة والإمكانات، يلتحق بالمشهد ليمنح الأحداث أبعادها التجارية وينخرط في المشهدية الرخيصة.المشكلة ليست في نقل الألم، بل في استهلاكه. ليست في الصورة، بل في غياب الأخلاق التي تضبطها. فحين تتحوّل المأساة إلى محتوى، والتعاطف إلى بديل عن المساءلة، نخسر إنسانيتنا مرتين: مرة حين يقع الألم، ومرة حين نصفّق له بصمت.
تونس لا تحتاج مزيدًا من المشاهد، بل إلى وعي. إلى إعلام يحفظ الكرامة، وإلى مجتمع يميّز بين التضامن والاستغلال، وبين الشهادة والفرجة. فالألم لا يُنقَذ بالتصوير، بل بالمسؤولية والمساءلة المجتمع ية عبر الصحافة الحرة والمستقلة .!
بقلم عمر الوسلاتي