جزيرة العار: جرائم إبستين التي عرّت الأنظمة وكشفت تحالف المال والسلطة

جزيرة العار: جرائم إبستين التي عرّت الأنظمة وكشفت تحالف المال والسلطة
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرّد فضيحة أخلاقية أو سقوطًا مدوّيًا لشخص نافذ، بل كانت لحظة كاشفة لعطبٍ عميق في النظام العالمي للقيم والعدالة. ما انكشف لم يكن فقط حجم الجرائم، بل فداحتها، واستمراريتها، وكيف أُديرت في الظلّ تحت حماية المال والنفوذ والصمت المؤسسي. لقد كشفت القضية وجهًا قبيحًا لعالمٍ سمح بانتهاك الكرامة الإنسانية بصورة ممنهجة، وضرب في مقتل فكرة العدالة بوصفها قيمة كونية لا تُجزّأ. الفظاعات التي ارتُكبت لم تكن أفعالًا معزولة ولا انحرافات طارئة، بل ممارسات منظّمة: استغلال قاصرات عبر الإغراء والضغط والاستدراج، تحويل الجسد الإنساني إلى أداة تفاوض، إدارة شبكات نقل وإقامة وصمت، وتدوير للضحايا داخل فضاءات مغلقة تُدار بعقل بارد. لم يكن الانتهاك جسديًا فقط، بل رمزيًا وأخلاقيًا، حين سُحقت الكرامة، وحين جرى التعامل مع الإنسان كوسيلة لا كغاية.الأخطر من الجريمة ذاتها كان الإطار الذي سمح لها بالاستمرار. تسويات قضائية غامضة، تعطيل للإجراءات، انتقائية في تطبيق القانون، وتواطؤ صريح أو ضمني من مؤسسات كان يفترض أن تحمي الضعفاء. هكذا تحوّلت العدالة من مبدأ إلى مسار قابل للتفاوض، ومن حقّ إلى امتياز. حينها لم يعد السؤال: هل ما يحدث عادل؟ بل: من يحمي الفاعل؟ ومن يملك القدرة على إسكات الضحية؟هنا تتوحّش الأفكار. تُدفَع الحرية إلى أقصاها فتتحوّل إلى افتراس، وتُفصل المنفعة عن الأخلاق فتُشرعن الجريمة، ويُستعمل مفهوم الخصوصية ستارًا لانتهاك الحقوق. العقل، الذي يفترض أن يكون رقيبًا، يُسخَّر للتبرير، والقانون، الذي يفترض أن يكون حصنًا، يُفرَّغ من وظيفته. في هذا السياق، تنهار قاعدة كانط البسيطة والحاسمة: أن يُعامل الإنسان دائمًا كغاية لا كوسيلة.قضية إبستين عرّت الأنظمة كما عرّت الشخصيات. عرّت خطابًا ليبراليًا يتغنّى بالحرية بينما يعجز عن حماية الكرامة، وعرّت نخبًا تتحدّث عن القيم بينما تصمت حين تُختبر. الصمت هنا لم يكن حيادًا، بل مشاركة؛ لم يكن جهلًا، بل مصلحة. وكما حذّرت حنّة آرندت، فإن أخطر أشكال الشر هو ذاك الذي يُرتكب بهدوء، بروتين إداري، ومن دون صخب، لأن الجميع “يقوم بعمله” فقط.الضربة التي تلقّتها العدالة في هذه القضية لم تكن قانونية فحسب، بل معنوية. العدالة تقوم على الثقة، وحين يرى الناس أن الميزان يميل حيث يوجد النفوذ، تنهار الثقة، ويتحوّل القانون إلى واجهة. تُقتل المساواة أمام القانون، ويُبعث برسالة مدمّرة مفادها أن الإفلات ممكن، وأن الكرامة قابلة للمقايضة.هذه القضية ليست نهاية الليبرالية المتوحشة، لكنها شاهدها الأوضح. إنها تذكير قاسٍ بأن الإنسان كيان عقلاني، نعم، لكنه هشّ إن تُرك بلا ضوابط. يحتاج إلى قانون عادل لا يُفصَّل على مقاس القوة، وإلى رقابة أخلاقية حيّة تضع الكرامة خطًا أحمر، وإلى وعيٍ جماعي لا يساوم على الحقيقة. فالحرية بلا مسؤولية توحّش، والعقل بلا أخلاق آلة تبرير، والعدالة حين تُفرَّغ من معناها لا تعود عدالة، بل خدعة. والإنسان، مهما امتلك من مال أو نفوذ، لا يجب—ولا يجوز—أن يتحوّل إلى وحش.
بقلم عمر الوسلاتي