«حرية تعبير القاضي أصل، وواجب التحفّظ استثناء يُفسَّر تفسيرًا ضيّقًا.»

«حرية تعبير القاضي أصل، وواجب التحفّظ استثناء يُفسَّر تفسيرًا ضيّقًا.»
في الدولة الديمقراطية التعددية، لا يُختزل القاضي في صورة موظف صامت يكتفي بتطبيق النصوص في عزلة عن مجتمعه، بل يُنظر إليه باعتباره أحد حرّاس دولة القانون. ومن ثمّ، يثور السؤال كلما عبّر قاضٍ عن رأيه في الفضاء العام: هل خان واجب التحفّظ، أم مارس حقًا أصيلًا في حرية التعبير؟
هذا الإشكال لم يعد نظريًا، بل أصبح محور نقاش قضائي وحقوقي دولي، تُوّج مؤخرًا بحكم بالغ الدلالة صادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Danilet ضد رومانيا.حرية التعبير حقّ مكفول لكل فرد، والقاضي ليس استثناءً من هذا الأصل. فالمواثيق الدولية، وفي مقدّمتها مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، تقرّ صراحة بحق القضاة في التعبير عن آرائهم والمشاركة في النقاش العام، شرط ألا يُفضي ذلك إلى المساس باستقلال القضاء أو نزاهته. غير أن هذا الشرط، كما يؤكد الفقه الدولي، لا يجوز أن يتحول إلى أداة لإسكات القضاة أو ردعهم عن التنبيه إلى المخاطر التي تهدد العدالة والديمقراطية.واجب التحفّظ، في جوهره، ليس قانون صمت. إنما هو التزام وظيفي يرمي إلى حماية ثقة المتقاضين في القضاء ومنع تسييس المنصب القضائي. لكنه يظل واجبًا نسبيًا، يتقلّص كلما تعلّق التعبير بمسائل ذات مصلحة عامة، مثل استقلال القضاء أو احترام سيادة القانون. وقد شدّد المقررون الخاصون للأمم المتحدة المعنيون باستقلال القضاة والمحامين على أن معاقبة القاضي بسبب آرائه في هذه المسائل تمثل مساسًا خطيرًا باستقلاله الشخصي والمؤسسي.في هذا السياق، يكتسب حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الصادر في 15 ديسمبر 2025 أهمية خاصة. فقد اعتبرت المحكمة أن العقوبة التأديبية التي فُرضت على القاضي الروماني فاسيليكا-كريستي دانيليت بسبب منشورات على حسابه الشخصي في “فيسبوك” تشكل انتهاكًا لحرية التعبير المكفولة بالمادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وأكدت أن النقاش حول سير العدالة يدخل في صميم المصلحة العامة، ويستوجب مستوى عاليًا من الحماية، حتى عندما يتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.ورفضت المحكمة المنطق الذي يربط آليًا بين استعمال القاضي لفضاء عام للتعبير وبين الإخلال بواجب التحفّظ، معتبرة أن السلطات التأديبية ملزمة بإجراء موازنة دقيقة بين الحق في التعبير ومتطلبات الوظيفة القضائية، وتقديم أسباب وجيهة ومقنعة تثبت أن التدخل كان ضروريًا في مجتمع ديمقراطي. وهو ما لم يتحقق في الحالة المعروضة عليها.إن هذا التوجه القضائي يعكس فهمًا حديثًا لدور القاضي في المجتمع. فالصمت المطلق لا يحمي العدالة، بل قد يساهم في تآكلها حين تُهدَّد استقلاليتها أو يُفرَّغ مبدأ سيادة القانون من مضمونه. القاضي، في مثل هذه اللحظات، لا يتكلم دفاعًا عن ذاته، بل عن وظيفة العدالة نفسها.لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في سؤال: هل يحق للقاضي أن يتكلم؟ بل في سؤال أدقّ: كيف نضمن أن يكون كلام القاضي ممارسة مسؤولة لحرية التعبير، لا مبررًا لتكميمها باسم التحفّظ؟ ففي الديمقراطيات الحيّة، لا يُطلب من القاضي أن يكون شاهدًا صامتًا على إضعاف القضاء، بل شريكًا في حمايته بالكلمة، حين تقتضي الضرورة.
بقلم عمر الوسلاتي