حكمة القرية: حين تنجو الكلمة المنطوقة من الخراب
تأمّلات 20 / شذرة من قريتي 1/
لا تسكن الحكمةُ أوّلًا في المكتوب. فهي لا تُحبَس في الحبر، ولا تُروَّض بحدود الصفحة. إنّها تجري في مكانٍ آخر، أكثر تواضعًا وأشدّ كثافة، في الجدل الشفهي اليومي، في تلك الكلمة المتبادلة على عتبات البيوت، تحت أشجار التين، حول النار أو على ضوء السهرات المرتعش. قريتي علّمتني ذلك باكرًا: فالحقيقة فيها ليست يومًا وحيدة، بل هي دائمًا محاورة، مُجادَلة، مُعاد صياغتها.
كانت هناك ليالٍ كاملة أصغي فيها. أصغي إلى الحكايات والخرافات، إلى الأساطير والألغاز، إلى قصص الحيوات الصغيرة والسير المحلية الكبرى، إلى الأمثال التي تُنقَل كما يُنقَل خبزٌ ما يزال ساخنًا. لم تكن هذه الكلمات مجرّد تسلية، بل كانت تُشكّل فلسفةً منتشرة، حكمةً بلا نسق، لكنها ليست بلا صرامة. فكرًا لا يسمّي نفسه «فكرًا»، لكنه ينظّم العلاقة بالعالم، وبالزمن، وبالموت، وبالكرامة. هناك، لم تكن الفلسفة شأن مدرسة، بل خبرةً مشتركة، وامتحاناتٍ عُبِرَت معًا.
في هذه الشفاهية، تعلّمتُ أنّ الفهم هو دائمًا الوقوف بين أصواتٍ متعدّدة. المعنى لا يهبط من علٍ، بل ينبثق من تصادم الروايات، ومن التناقضات المعترف بها، ومن الصمت أيضًا. كانت قريتي تتكلّم، وفي كلامها كانت تترسّب طبقات التاريخ، وجراح الأرض، والآمال العنيدة.
لا أجهل المخرّبين. أولئك الذين دمّروا الأرض والشرف، ودنّسوا الطرقات، ومحوا المعالم، وانتهكوا الأجساد والذاكرات. أُحاصِرهم بالكلمة لا بالانتقام. أسمّيهم كي لا يصيروا غير مرئيين: طغاة، جهلة، مستعمِرون مجرمون. لقد أرادوا إسكات القرية، واختزالها إلى خراب، إلى بقايا فولكلورية. ظنّوا أنّ التدمير المادي يكفي لإبادة الروح الجماعية.
لكن قريتي، رغمهم، لم تُدمَّر. انحنت من دون أن تنكسر. احتفظت، في طيّات الكلام اليومي، بقدرةٍ على المقاومة لم تفهمها الهيمنات يومًا. فما يُنقَل شفهيًّا لا يُصادَر بسهولة. الحكمة المعيشة تتحرّك، تتحوّل، تختبئ، ثم تعود للظهور.
وهكذا، تبقى قريتي. لا بوصفها مشهدًا جامدًا، بل قوّةً خفيّة، وذاكرةً فاعلة. تواصل إنتاج المعنى حيث لا يُنتظَر، وتُذكّر بأنّ الكرامة الإنسانية لا تُقرَّر بمرسوم، بل تُزرَع في العلاقة، وفي السرد المشترك، وفي الوفاء لكلمةٍ حيّة. ولعلّ هنا، في النهاية، تكمن الحكمة الحقيقية: لا في ما يُكتَب ليَدوم، بل في ما يُقال لكي يبقى حيًّا.
حكمة القرية: حين تنجو الكلمة المنطوقة من الخراب
تأمّلات 20 / شذرة من قريتي 1/
لا تسكن الحكمةُ أوّلًا في المكتوب. فهي لا تُحبَس في الحبر، ولا تُروَّض بحدود الصفحة. إنّها تجري في مكانٍ آخر، أكثر تواضعًا وأشدّ كثافة، في الجدل الشفهي اليومي، في تلك الكلمة المتبادلة على عتبات البيوت، تحت أشجار التين، حول النار أو على ضوء السهرات المرتعش. قريتي علّمتني ذلك باكرًا: فالحقيقة فيها ليست يومًا وحيدة، بل هي دائمًا محاورة، مُجادَلة، مُعاد صياغتها.
كانت هناك ليالٍ كاملة أصغي فيها. أصغي إلى الحكايات والخرافات، إلى الأساطير والألغاز، إلى قصص الحيوات الصغيرة والسير المحلية الكبرى، إلى الأمثال التي تُنقَل كما يُنقَل خبزٌ ما يزال ساخنًا. لم تكن هذه الكلمات مجرّد تسلية، بل كانت تُشكّل فلسفةً منتشرة، حكمةً بلا نسق، لكنها ليست بلا صرامة. فكرًا لا يسمّي نفسه «فكرًا»، لكنه ينظّم العلاقة بالعالم، وبالزمن، وبالموت، وبالكرامة. هناك، لم تكن الفلسفة شأن مدرسة، بل خبرةً مشتركة، وامتحاناتٍ عُبِرَت معًا.
في هذه الشفاهية، تعلّمتُ أنّ الفهم هو دائمًا الوقوف بين أصواتٍ متعدّدة. المعنى لا يهبط من علٍ، بل ينبثق من تصادم الروايات، ومن التناقضات المعترف بها، ومن الصمت أيضًا. كانت قريتي تتكلّم، وفي كلامها كانت تترسّب طبقات التاريخ، وجراح الأرض، والآمال العنيدة.
لا أجهل المخرّبين. أولئك الذين دمّروا الأرض والشرف، ودنّسوا الطرقات، ومحوا المعالم، وانتهكوا الأجساد والذاكرات. أُحاصِرهم بالكلمة لا بالانتقام. أسمّيهم كي لا يصيروا غير مرئيين: طغاة، جهلة، مستعمِرون مجرمون. لقد أرادوا إسكات القرية، واختزالها إلى خراب، إلى بقايا فولكلورية. ظنّوا أنّ التدمير المادي يكفي لإبادة الروح الجماعية.
لكن قريتي، رغمهم، لم تُدمَّر. انحنت من دون أن تنكسر. احتفظت، في طيّات الكلام اليومي، بقدرةٍ على المقاومة لم تفهمها الهيمنات يومًا. فما يُنقَل شفهيًّا لا يُصادَر بسهولة. الحكمة المعيشة تتحرّك، تتحوّل، تختبئ، ثم تعود للظهور.
وهكذا، تبقى قريتي. لا بوصفها مشهدًا جامدًا، بل قوّةً خفيّة، وذاكرةً فاعلة. تواصل إنتاج المعنى حيث لا يُنتظَر، وتُذكّر بأنّ الكرامة الإنسانية لا تُقرَّر بمرسوم، بل تُزرَع في العلاقة، وفي السرد المشترك، وفي الوفاء لكلمةٍ حيّة. ولعلّ هنا، في النهاية، تكمن الحكمة الحقيقية: لا في ما يُكتَب ليَدوم، بل في ما يُقال لكي يبقى حيًّا.
بقلم الحبيب النهدي

