حين تتحوّل الجرأة الإعلامية إلى عنف رمزي: كيف اغتيلت ذاكرة الثورة على الهواء

حين تتحوّل الجرأة الإعلامية إلى عنف رمزي: كيف
اغتيلت ذاكرة الثورة على الهواء
حين تُستعمل الحقيقة القضائية لقتل الحقيقة الرمزية
عن سمير الوافي، والعنف الرمزي، واغتيال لحظة جماعية
ما قدّمه سمير الوافي في برنامجه ليس نقاشًا صحفيًا، ولا قراءة نقدية للتاريخ، بل اعتداء رمزي مباشر على لحظة ارتفعت من واقعة إلى معنى، ومن حادث إلى ذاكرة جماعية.هو اعتداء على كل حرّ، خارج منطق إعادة ترتيب الأحداث وتشكيكها وتعويمها، بعد أن أصبحت رمزًا تاريخيًا مكثفًا لكل ما سبقها من ظلم.لا أحد يُنكر الحقيقة القضائية، ولا يملك حق إنكارها.القرار القضائي واضح: لم تثبت جريمة اعتداء، ولم تُقم الحجة الجزائية، والقضاء قال كلمته في نطاقه الطبيعي: نطاق المسؤولية الفردية.لكن ما يفعله هذا الخطاب الإعلامي هو أخطر من الإنكار: استعمال الحقيقة القضائية سلاحًا لإلغاء الحقيقة الرمزية.وهنا جوهر المسألة.بين القضاء والتاريخ الحقيقة القضائية، بطبيعتها، حقيقة محدودة.هي حقيقة تُنتَج داخل فضاء إجرائي مغلق، تحكمه قواعد الإثبات، وتُعنى بالفعل المجرَّم لا بالشرط الاجتماعي.القضاء لا يُفسّر الثورات، ولا يقرأ المراكمات، ولا يحاكم الأنظمة، بل يحاكم أفعالًا منسوبة لأشخاص.أما الحقيقة الرمزية، فهي التي تصنع التاريخ.هي نتاج تراكم 23 سنة من القهر:
الحوض المنجمي، تالة، القصرين، الإدارات، السجون، الإهانات اليومية، وانسداد الأفق.هذه الحقيقة لا تحتاج إلى شهادة طبية، ولا إلى محضر، لأنها محفورة في الأجساد والذاكرة.الثورات لا تقوم على واقعة واحدة، بل على الانفجار الجماعي للمعنى.العنف الرمزي كما شرحه بورديو ما يمارسه هذا النوع من الصحافة هو ما سمّاه بيار بورديو بـ العنف الرمزي:عنف لا يُمارس بالقوة، بل بالخطاب.عنف يجعل الضحية تشكّ في تجربتها، ويجعل المجتمع يشكّ في ذاكرته.حين يُقال للناس:إن محمد البوعزيزي “ليس اسمه كذلك”،وإن “البرويطة” ليست رمزًا بل تفصيلًا مهمَلًا،وإن الثورة انطلقت من سوء فهم أو مبالغة،فإن ذلك ليس تصحيحًا تاريخيًا، بل استهزاء صريح بالمعنى، وبكل حركة تحرّر انطلقت من تلك الشرارة.الاختزال كسياسة هل يُنكر سمير الوافي، صراحة أو ضمنًا، كل الظلم الذي حصل على امتداد 23 سنة؟
حين يختزل الثورة في أشخاص، وفي موظفة بلدية، وفي اسم، وفي تفصيل لغوي، فهو يفعل ذلك فعليًا. اختزال المأساة في فايدة حمدي ليس دفاعًا عنها ولا إدانة لها، بل تبرئة ضمنية لمنظومة كاملة.
واختزال محمد البوعزيزي في اسمه، لا في موقعه الاجتماعي، ولا في وضعه الإنساني، هو تفريغ للرمز من محتواه.البرويطة لم تكن عربة فقط، بل علامة اجتماعية:
اقتصاد الهشاشة، الإقصاء، والعمل بلا أفق.
والسخرية منها، أو التعامل معها كعنصر ثانوي، هو سخرية من واقع كامل.لا إسقاط للوقائع… ولا قتل للمعنىلا أحد يطالب بإسقاط الوقائع، ولا بتزويرها، ولا بتقديس اللحظة.لكن ما يُرفض هو قتل المعنى باسم الوقائع،ومحو المراكمات باسم التفاصيل،وإعادة توجيه الوعي باسم الجرأة الإعلامية.ما قُدّم البارحة ليس رأيًا، بل اعتداء على ذاكرة جماعية، وعلى نضال أجيال، وعلى معنى الحرية ذاته.حرية لم تبدأ في استوديو، ولم تُصنع في حلقة، بل خرجت من الشارع، ومن القهر، ومن لحظة جماعية قال فيها الناس: كفى.التاريخ لا يُفهم بالتهكّم، ولا تُقرأ الثورات بالاختزال،ولا تُفكّك الرموز بسوء نية.
ومن يستعمل الحقيقة القضائية لإلغاء الحقيقة الرمزية، لا يمارس صحافة…بل يمارس عنفًا رمزيًا مكتمل الأركان،
ويعتدي على الكرامة الجماعية في رمزيتها .
بقلم عمر الوسلاتي