حين تمشي المدن مثل النخل: رؤوف بن يغلان في بوعرادة بين المسعدي والهمّامي
لم يكن حضور الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان في بوعرادة مجرّد موعد ثقافي عابر، بل لحظة كثيفة المعنى، التقت فيها الذاكرة بالفعل، والرمز بالمكان، والمسرح بالمواطنة. في المكتبة العمومية التي تحمل اسم محمود المسعدي، بدا السؤال متجدّدًا: هل غادر الممثل الركح فعلًا، أم أنّه وسّعه، ونقله من الخشبة إلى فضاء المدينة بكل تشابكاته وتحولاته؟لم يكن اسم محمود المسعدي على واجهة المكتبة تفصيلًا شكليًا. المسعدي ليس مجرّد كاتب من الماضي، بل هو أحد صانعي الأسئلة الكبرى في الثقافة التونسية. صاحب السد، الذي كتب عن الإنسان وهو ينحت وجوده في الطبيعة القاسية، وعن الإرادة حين تصطدم بالصخر، وعن المعنى بوصفه معركة لا تُحسم. في وصفه لقرية كسرى في مولد النسيان، لم يكن يرسم مشهدًا جغرافيًا، بل قدرًا إنسانيًا معلّقًا بين القهر والأمل. مات المسعدي، كما ماتت أحلام كثيرة في القرى الجبلية، لكن كلماته بقيت شاهدة على مصير البلدة المنسية، قابلة دائمًا لأن تُستعاد وتُحاور.وفي الجهة الأخرى من الذاكرة، ينهض اسم الطاهر الهمّامي، ابن بوعرادة، الشاعر الذي لم يكتب القصيدة بوصفها زينة لغوية، بل بوصفها موقفًا. قصيدته «أرى النخل يمشي في الشوارع» ليست وصفًا للنخل، بل صورة للإنسان حين يرفض الانكسار، حين يمشي وسط الزحمة والعتمة والهجمة، مرفوع الجبهة، جريحًا، يلمّ جراحه ويمضي. لذلك كان مطلب تسمية دار الثقافة باسمه فعل اعتراف ثقافي، وردّ اعتبار لذاكرة المدينة وأصواتها.في هذا السياق، جاء حضور رؤوف بن يغلان ليشكّل نقطة التقاء حيّة بين الفكر والشعر والمسرح. بن يغلان، القامة المسرحية التونسية التي كثيرًا ما همّشها الإعلام، ظلّ وفيًّا للمسرح الملتزم منذ السبعينات. تكوينه في الفن الدرامي، ودراسته لعلم الاجتماع في باريس، شكّلا وعيه بمسرح لا يكتفي بالفرجة، بل ينخرط في مساءلة الواقع. في أعماله مثل حارق يتمنى، إرهابي غير ربع، ونعبر ولا ما نعبرشي، اشتغل على قضايا الهجرة والتطرّف لا كعناوين طارئة، بل كجروح إنسانية عميقة.وما منح هذه اللحظة الثقافية بعدها الوطني، أنّها لم تبقَ حبيسة المكان، بل انتقلت، في نقل مباشر، عبر أمواج إذاعة تونس الثقافية. هناك، برع الصحفي سفيان العرفاوي في نسج خيوط هذا اللقاء، وفي إخراجه الإذاعي بحسّ ثقافي رفيع، جامعًا بين الإنصات العميق والدقّة المهنية. لم يكن مجرّد منشّط، بل صانع مشهد، أدار الحوار بذكاء، وفتح المساحة لضيوف تميّزوا بوعيهم، يافعين وفاعلين، مثقفين وكتّابًا، فجاء الصوت متعدّدًا، حيًّا، ومعبرًا عن مدينة تفكّر في نفسها.في بوعرادة، لم يكن رؤوف بن يغلان ممثلًا يقدّم درسًا، بل فنانًا يصغي. يصغي للمكان، للذاكرة، وللأصوات التي حاولت أن تعيد ترميم طفولة المدينة ومعانيها. كان حضوره أشبه بحوار صامت مع المسعدي، صاحب السدّ والمعنى المنحوت في الصخر، ومع الطاهر الهمّامي، شاعر الكرامة الشعبية، ومع جمهور لا يطلب الفرجة بقدر ما يطلب المعنى.هكذا تداخلت الأصوات دون أن تتزاحم. المسعدي قال إنّ المعنى لا يُمنح بل يُنتزع. الهمّامي قال إنّ الكرامة تمشي، حتى وهي مثخنة بالجراح. ورؤوف بن يغلان جسّد ذلك في مساره: المسرح فعل مواطنة، والثقافة ليست ترفًا، بل إمكانية إنقاذ.في ذلك اليوم، فتحت بوعرادة ذراعيها للفن، للفكرة، وللمشروع الثقافي الذي يتجاوز العرض إلى الفعل. لم يغادر رؤوف بن يغلان الركح، بل جعله مكتبة، وإذاعة، ودار ثقافة، وساحة مدينة. وجعل من بوعرادة، ولو للحظة، نخلًا يمشي في الشوارع.
بقلم عمر الوسلاتي

