حين تُهزم الكرة أمام الذاكرة: المتفرّج الذي انتصر على اللاعب
في واحدة من أكثر لقطات كرة القدم كثافةً بالمعنى، لم يكن بطل المشهد لاعبًا داخل المستطيل الأخضر، بل متفرّجًا في المدرجات. رجلٌ أسود، صامت في هيئته، صاخب في دلالته، اختار أن لا يرفع شعارًا عابرًا ولا أن يصرخ باسم فريقه، بل أن يجسّد باتريس لومومبا، أحد أعظم رموز التحرّر في إفريقيا. لم يكن يبحث عن الأضواء، بل عن استعادة ذاكرة حاولت السياسة والنسيان دفنها.لومومبا لم يكن مجرد رئيس وزراء اغتيل، بل كان صوتًا إفريقيًا نادرًا قال الحقيقة في وجه الاستعمار دون مواربة: إن “التحضّر” الكولونيالي كان كذبة مغطّاة بالدم. آمن بوحدة إفريقيا وبحقها في السيادة، ودفع حياته ثمنًا لذلك. حين ارتدى المتفرّج ملامحه، لم يكن يستحضر شخصًا، بل تاريخًا كاملًا من الإهانة والمقاومة.في الجهة المقابلة، لاعبٌ متهوّر، جاهل بتاريخ القارة التي يلعب فوق أرضها، تعامل مع المشهد بسخرية وحركة فارغة، ظنّها انتصارًا رمزيًا، أو مزحة في سياق مباراة. أراد أن يُسقط المتفرّج بهزيمة كروية، أن يُفرغه من رمزيته، وأن يقول – دون وعي – إن الماضي لا مكان له في لعبة الحاضر.لكن ما حدث كان العكس تمامًا. المتفرّج انتصر، لا بالهدف ولا بالنتيجة، بل بالمعنى. اللاعب هزمته جهالته قبل صافرة النهاية، حتى وإن تأهّل فريقه أو فاز في المباراة. لأن الكرة، مهما منحت من مجد عابر، لا تستطيع أن تُهين تاريخًا ولا أن تُسقط رمزًا. السخرية هنا لم تكن من رجل في المدرجات، بل من ذاكرة قارة كاملة.هذا المثال يكشف جوهر المأزق: كرة القدم، التي نعلّق عليها آمال الانتصار على العجز، قد تتحوّل – إن انفصلت عن الوعي – إلى أداة لإعادة إنتاج الهزيمة. هزيمة المعنى، وهزيمة الذاكرة، وهزيمة الشعوب التي تُختزل قضاياها في تسعين دقيقة.ما فعله ذلك المتفرّج البسيط كان درسًا بليغًا: يمكنك أن تخسر مباراة، لكن لا تخسر تاريخك. أما اللاعب المتهوّر، فقد ربح دقائق في الملعب، وخسر امتحان الوعي. وفي زمن تُلهينا فيه الكرة عن أهم أسئلة العيش والكرامة فوق هذا الكوكب، يبقى الانتصار الحقيقي هو أن نتذكّر من نحن، ومن سبقونا، ولماذا دفعوا حياتهم ثمنًا لكي نكون هنا.
بقلم عمر الوسلاتي

