حين يتحوّل الغيث إلى محاكمة… وطنٌ يغرق والأسئلة !ناجية
الكلّ يتّهم، كأنّ الاتهام صار ملاذاً أخيراً من مواجهة الذات. الألسن سريعة، والضمائر بطيئة، والعدوّ حاضر دائماً في الخارج، جاهز لأن نحمله خطايانا وننام.
أمّا السياسات التي عاشت بيننا دهوراً، ومشت في شوارعنا، وشربت من مائنا، فلا اسم لها ولا وجه.
نحن نتحدّث اليوم عن تغيّر المناخ، كأنّه زائر غريب هبط فجأة، لا كحقيقة تراكمت بصمت، ولم تجد من يُنصت. نتحدّث عن الغيث حين يغرق البيوت، ولا نتحدّث عن سنوات الجفاف التي أفرغت الأرض من صبرها، ولا عن مدن كبرت بلا ذاكرة، وقُرى تُركت لقدرها، ومجاري مياه تحوّلت إلى شواهد إهمال. أين الوزارات حين يكون السؤال عن الغد لا عن البيان؟ أين الخطط حين تصبح الكارثة أمّاً لكلّ الأسئلة؟ وأين الدولة، لا كشعار، بل كعقل يفكّر وقلب يشعر؟أين مراكز البحث التي يُفترض أن ترى أبعد من نشرة الطقس، وأن ترسم لتونس ملامح مستقبلها، تضاريس خوفها وأملها، حاجتها إلى الماء، وحقّها في النجاة؟نبحث عن صوت واحد، صوت لا يتكلّم ليُسمَع، بل ليعترف. صوت يترحّم على الضحايا لا بوصفهم أرقاماً، بل أسماء ووجوهاً وبيوتاً كانت عامرة بالضحك. نبحث عن مسؤول لا يشكر الناس لأنهم صبروا، بل يعتذر لأنهم تُركوا وحدهم.لكنّ الفاجعة، كعادتها، تُخرج إلى الضوء وجوهاً تعرف الكلام أكثر ممّا تعرف الفعل، تتزيّن بالمصائب، وتغتسل بالإنجازات، فيما المواطن البسيط، ذلك الذي لم يقرأ التقارير ولم يحضر الندوات، يقف في الماء حتى ركبتيه، وينقذ ما تبقّى من حياة.صباح الخير يا تونس…يا بلد تعلّم أن يفرح بالمطر، فإذا به اليوم يحصي أحزانه قطرةً قطرة.لقد نزل الغيث، لا ليوقظ الأرض، بل ليوقظ الأسئلة المؤجّلة، تلك التي لم نجرؤ يوماً على طرحها، فاختارت أن تعود إلينا على هيئة كارثة.
بقلم عمر الوسلاتي

