رمضان… صوم الضمير قبل صوم الجسد
يحلّ علينا شهر رمضان كلّ عام فنستعدّ له بالإمساك عن الطعام والشراب، ونضبط ساعاتنا على مواعيد الإفطار والسحور، ونُكثر الحديث عن ما يُؤكل وما يُشرب. غير أنّ جوهر هذا الشهر أعمق من مجرّد جوع البطن وعطش اللسان. رمضان ليس مناسبة بيولوجية تتكرّر، بل هو لحظة روحية وأخلاقية يُفترض أن تعيد ترتيب الإنسان من الداخل ليس المطلوب أن نصوم عن الأكل فحسب، بل أن نصوم عن الظلم، عن الأذى، عن الكراهية، عن الشماتة في مصائب الآخرين. أن نصوم عن القسوة في الحكم على الناس، وعن التسرّع في الاتهام، وعن سوء الظنّ الذي يفسد العلاقات ويزرع الفرقة. فكم من صائمٍ أمسك عن الطعام وأطلق لسانه جرحًا، وكم من ممتنعٍ عن الشراب لم يمتنع عن أكل حقوق غيره.رمضان مدرسة أخلاق قبل أن يكون موسم عبادة. فيه دعوة صريحة إلى الصدق، إلى الوفاء بالعهد، إلى صلة الرحم، وإلى مدّ يد العون للمحتاجين. هو شهر التوازن، فلا إسراف ولا تبذير، ولا استغلال لحاجة الناس، ولا خيانة أمانة. وهو أيضًا شهر العمل والإتقان، لا شهر التراخي والاختباء خلف الأعذار. فالسعي في الأرض عبادة، وقضاء حوائج الناس من أصدق مظاهر الصيام الحق.إنّ الصوم الذي لا ينعكس سلوكًا وعدلًا ورحمة، يبقى ناقص المعنى. فلا قيمة لجوعٍ لا يصحبه إحساس بجوع الفقير، ولا لعطشٍ لا يوقظ فينا واجب التضامن. الصيام الحقيقي هو أن يلين القلب، وأن تستيقظ الضمائر، وأن يشعر الإنسان بمسؤوليته تجاه من حوله، فيخفّف ما استطاع من معاناة، ويزرع ما استطاع من أمل.رمضان فرصة سنوية لمراجعة الذات، لا لمراكمة المظاهر. هو اختبار أخلاقي جماعي: كيف نتعامل؟ كيف نحكم؟ كيف نُعين؟ فإذا خرجنا منه أكثر عدلًا وإنصافًا ورحمة، فقد أدركنا معناه. أمّا إن اكتفينا بعدّ الساعات حتى الإفطار، فقد نكون صمنا عن الطعام، لكننا لم نصم عن أنفسنا.رمضان كريم، جعله الله شهر يقظة للضمير، وصفاء للنفس، وصالح عملٍ يترجم الإيمان إلى سلوك حيّ بين الناس.
بقلم عمر الوسلاتي

