فوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك لم يكن مجرد حدث سياسي في أمريكا، بل لحظة كاشفة لعمق العبثية الفكرية التي تنخر الخطاب الشعبوي في تونس.
شابٌّ مسلم، يساري، مهاجر، يصبح عمدةً لأكبر مدينة في العالم، فيفرح الإسلاميون بأنه “نصرٌ للمسلمين في الغرب”، ويحتفي اليساريون بأنه “انتصارٌ للعدالة الاجتماعية”.أما الحقيقة، فهي أن كليهما لا يرى ممداني، بل يرى في فوزه مرآةً تعكس عقده هو، لا انتصاراته.
في تونس، الذين حرّضوا بالأمس على المهاجرين الأفارقة واعتبروهم “تهديدًا للهوية”، هم أنفسهم الذين اليوم يباركون فوز مهاجرٍ مسلم في نيويورك، وكأن المسافة الجغرافية تغسل التناقض الأخلاقي.
والذين اتّهموا الإسلاميين بالظلامية، يصفّقون اليوم لمسلمٍ اشتراكي لأنه “يشبه مشروعهم الاجتماعي”، ما دام بعيدًا لا يهدّدهم في الداخل.هكذا تعمل السكيزوفرينيا الشعبوية:تكره المهاجر في بلادك وتصفّق له حين ينجح في بلاد الآخرين.تخاف من الإسلام حين يكون في جوارك، وتبجّله حين يُتوّج في الغرب. تلعن اليسار في برّك، وتحتفي به في نيويورك
وُلد زهران في أوغندا، ونشأ في جنوب إفريقيا، وانتقل إلى نيويورك طفلًا.هو ابن المفكر محمود ممداني والمخرجة ميرا ناير.قبل دخوله السياسة، كان مغنّي راب باسم “السيد كارداموم”، غنّى لجدته وثقافته بجرأةٍ جعلت خصومه يسخرون منه لاحقًا.لكن الرجل لم يختبئ من ماضيه، بل حوّله إلى طاقة.خاض حملته بلغات الناس: الأردية، البنغالية، الإسبانية، والعربية.نزل إلى الشوارع ليتحدث عن “تضخّم أسعار الحلال”، وأكل من عربات الباعة الصغار ليشرح كيف تُرهقهم البيروقراطية.لم يبع وعودًا، بل قدّم سياسة بوجه إنساني.رغم هجوم اللوبيات الاقتصادية ودعمها لمنافسيه، حوّل المعركة إلى صراعٍ بين المليارديرات والطبقة العاملة، فانتصر.انتصاره لم يكن باسم الإسلام، ولا اليسار، بل باسم الصدق والجرأة والفعل.أما نحن، فاحتفلنا بما لا نفهمه.رأينا في فوزه تعويضًا رمزيًا عن إخفاقاتنا، لا دعوةً لتجاوزها.لم نفرح بإنسانٍ قدّم نموذجًا سياسيًا ناضجًا، بل بمهاجرٍ يحمل من الهويات ما يرضينا لحظةً ثم ننساه.
في النهاية، لا الإسلاميون انتصروا، ولا اليساريون.
الذي انتصر هو العمل المنجز، لا الشعارات.
وانكشفت تحت ضوء نيويورك عورات التفكير الشعبوي في تونس:نفرح ببطولات الآخرين لأننا فقدنا القدرة على الفعل هنا.نصنع رموزنا من بعيد، لأننا نخاف أن نخلقهم بينناهناك، تُصنع السياسة بالعقل. وهنا، تُستهلك بالعاطفة.
هناك، يربح من يخدم المدينة.وهنا، نغرق في سؤالٍ ساذج: من يشبهنا أكثر؟ تلك هي مأساة الشعبوية التونسية:أنها تصفق للحرية حين تكون على بعد قارة،
وتخافها حين تطرق بابها.
La chronique du jour / #volontaires #radiovolontaires #associationvolontaires

