بابونج ولعبة الأسماء(1)
حين أمسكت بمجموعة جميلة الشريف الجديدة ..استوقفني العنوان كثيرا ..توجست حقيقة وخفت من الانزياح لزهرة أحببناها جميعا وظننت أن داخل الصفحات ربيعا مزهرا ..خاصة ونحن من أبناء المرج والبيدر والسنابل والاقحوان وزهر البابونج..مجبولون نحن على حب الأرض الخضراء والرّوابي المُشكّلة بالزّهر البريّ الذي يميس ويطلق شذى في الآفاق..
ارتسم في مخيلتي وأنا اقرأ العنوان حقلا منبسطا تموج ازهاره ..وظننت الأمر حكايات للجمال والبساطة والحب والزهور ..ولكنني كنت واهمة ..
هي ذي جميلة تسقط.مع كل بتلة تنزعها عن زهرة بين أصابعها حكاية إسم ووجع
لم تستجب القصص في بابونج لانتظاراتي كقارئة وبدأت الصورة التي رسمتها للحكايات مسبقا تبهت وتضمحل..
ثم بدأت أخط في ذهني شريطا آخر من التأويلات والقراءة ..
ياسين بابونج ..اي التقاء بين الإسمين واي تركيب وما الدافع له؟!!
ألِغاية في نفس جميلة حتى تجعل لقصتها الأولى عنوان الحكايات جميعها ..ولكنني بعد أن أتممت المجموعة عرفت السبب .
قصة إلياس جمعت كل الحكايات وألفت بين جميع المآلات ..لقد اختزلت جميلة هم الدنيا والأرض والسماء في هذه الشخصية حتى بتُّ أتساءل كيف لبشر أن يتحمل كل ما تحمله الولد .
ثم ما آثار انتباهي عنونة الأقاصيص بالاسماء ..ولا أعرف هل من الصدفة أن تكون أسماء أفراد عائلة إلياس تشترك في وجود حرف السين الرخو الهامس ونحن نعرف جميعا أنه من الأصوات المهموسة الذي تضمنته جميع الأسماء. سالمة/وناس/وإلياس
رخاوة الحروف إلى رخاوة الحياة وبحبوحة العيش لم تشعر الولد بالسعادة …حضرت الثروة وغابت الصحة والذاكرة والإدراك والنطق …كل العاهات تقريبا البدنية والنفسية” ملّكتها” جميلة للولد إلياس حتى بت اظن أن كل شخصية من شخصيات القصص القادمة ستحمل إحدى عاهاته عنه …حتى الحب والفشل فيه قلدته الكاتبة الولد ..
لماذا يا جميلة ..لماذا حملت إلياس عاهات البشر جميعا وأوجاعهم أيضا ؟؟..هل لتقولي أنه قوي على الموت وإن تكبد أعطاب الحياة كلها؟؟ ..أم لتقولي لنا أن الثروة أبدا لا تحقق السعادة ..أم لتقولي أنه يمكن لنفس واحدة أن تحيا عذابات الدنيا كلها ..؟
أم أن المال لم يستطع شراء ذاكرة للولد ولا صوتا لحلقه ولا حركة لرجليه الكسيحتين ..؟.
أم أن كل هذه الأوجاع لم تمنعه من أن يكون طيبا محبا معطاء…
اختلطت الأسئلة في ذهني ومررت من القصة بصعوبة …نعم صعب علي المرور ..
ثم ما الرابط في الحروف؟ دوجة وابنتها جيهان التي أحبها إلياس ابن وناس وسالمة ..حرف الجيم يتكرر أيضا في عائلة البنت …
لعبة الحروف هي إذن…
سأتتبعها حتى النهاية.ولكن لماذا هرب الولد تاركا الجميع (وفجرا غادر الطائر عشه بحثا عن حياة جديدة)ص39
ترك خلفه عالما متوترا لا يُحتفى فيه بالحب ..
ينشد البشر الحب وهم في أسوء حالاتهم ..
يا فداحة العنوان (برينغالام )وياله من معجم .
هل هي قصة ذلك المنحرف في مجتمعه أم هي حكاية ابنته دليلة والأسماء تطغى ولعبة الحروف هنا تتجلى أيضا في حرف اللام أيضا (برينغالام)(دليلة)..حكاية شعبية لأسماء ألفناها في عائلاتنا والأحياء ..
كأني بالكاتبة قد أمسكت آلة مكبرة وبالصوت أيضا وأخذت تنقل لنا ما يحدث في أعماق المجتمع مما نواريه أحيانا ولا نجهر به..عرّي الحقائق يا جميلة عريها وأسقطي عن الزهرة البتلات ..كما يسقط ورق التوت ..
دليلة ابنة برينغالام غير الشرعية وأمها منجية الدرويشة يشنقها أخوها عبد القادر..
حكاية الإغتصاب والشنق ..
والدافعية النفسية التي تحدث عنها فرويد ..دافعية الإجرام وما تخلفه الذاكرة من صور خزنها الطفل في ذاكرته ليطرحها في ما بعد انحرافا ونقمة على الجميع …
دليلة اخوها شنق والدتها حتى الموت وسلم نفسه للبوليس ..أي قدر ساق البنت لذلك الزقاق خطأ حتى تُغتصب..ياله من وجع (اامانك سيبني والله غلطت في النهج)ص49ولا من قلب رحيم ..تدب شفرة حلاقة برينغالام في شفتيها لتبقى الحادثة موسومة في وجهها ما حيت..
ولكن كأني بجميلة تقول ..ارحموا برينغالام فإجرامه كان بدافع ..لقد تعرض هو أيضا للأذى حين اغتصبا صديقاه حبيبته في غيابه ..إنها العقد وردود الفعل والدوافع …عالم نفسي يعيشه القارئ وزاوية من المجتمع تتجلى أمامه وهو يقرأ هذه القصة …الإجرام بسبب والبيئة الحاضنة له ..والضحايا كثر ..
عالم نفسي يسود القصص جميعها ..إجهادات كثيرة من خلال ما تطبعه الآثار النفسية على ملامح الشخصيات وسلوكاتهم ..عالم سلوكي نفسي يتجلى في بابونج بوضوح.
فالعيرود في قصة بية لا يختلف عن برينغالام كثيرا من حيث السادية وحب تعذيب الآخر والتلذذ بترهيب زوجته وإيذائها بحرق مواطن في جسمها بالسيجارة لأنها لم تنجب أطفالا..إنه التطرف السلوكي الذي ينبئ عن خلل نفسي واضح …
ثم يتم ذبح بلڨاسم العيرود وتختطف بية والفدية طعام ..الجوع كافر كما يقولون ..الجوع في مقابل الحرية وجهان لوجع واحد …
الحرية وتعرض بية لرصاصة مباغتة يظهر على إثرها بشير ..يا سطوة الاسماء في هذه النصوص..بشير يبشر بالخلاص ربما ..وما يحمله الإسم من معان ودلالات اجتماعياً وعقائديا ودينيا أيضا..
السجن 5سنوات لبلقاسم العيرود ..وبشير يختفي عن بية بعد أن حملت منه منذ 3اشهر .
ماذا تفعل المرأة والبطن مملوءة والرجل قد اختفى وتركها تكابد حملها لوحدها..قدر هذه الشخصية أن تأتي المعظلة لتنوب عما قبلها من مصائب وهكذا …
(يتبع)
بقلم المبدعة عيشة السلامي
