ذاكرة المدينة سيرة مربي …سي مختار… سيرة رجلٍ عبرنا به إلى المعنى

سي مختار… سيرة رجلٍ عبرنا به إلى المعنى
سأكتب عن رجلٍ لم يغب، عن شخصٍ ظلّ حيًّا في الذاكرة كما تبقى البيوت القديمة عامرة بأصحابها وإن طال الغياب. سي مختار… ومن لا يعرف سي مختار؟ ببرنصه في ليالي الشتاء الباردة، واقفًا عند باب القسم الداخلي بالمعهد الثانوي ببوعرادة، لا ليحرس المبيت، بل ليطمئن إلى أن الليل يمرّ بسلام على قلوبٍ فتية جاءت من البعيد تحمل خوفها وأحلامها معًا.كنّا يومها عراةً من المعنى، متعبين من الأسئلة الأولى، فجاء سي مختار بهدوئه، بابتسامته العريضة، وبشعره الأبيض، ليضع أمامنا طريقًا لم نكن نراه. لم يكن يكثر الكلام، وكان حضوره وحده كافيًا ليجعل الأشياء في مواضعها، وليمنح للأيام قسطًا من الطمأنينة.قضيت معه سبع سنوات كاملة، رافق مراهقتي ومشى معي حتى سنة الباكالوريا. لم أره يومًا يرفع صوته، لا في وجه مقيم ولا مقيمة. كان يعرف ضعفنا كما يعرف الآباء ضعف أبنائهم، فيرفق بنا، ويحنو علينا، ويطعم جوعنا بيديه قبل أن يملأ قلوبنا بالأمان. كان يضع ورقة بيضاء بلا أسماء، فنظل قلقين، لا من عقوبة، بل من خيبة أمل رجلٍ لم يكن يريد لنا إلا الخير، ونحن قد تركنا الأهل وابتعدنا بحثًا عن مستقبل لم تتضح ملامحه بعد.قد يكون ما أنا عليه اليوم ثمرة أيادٍ كثيرة: أساتذة، مربّين، وقيمين، سمحوا لنا بأن ننجو من القسوة ومن الضياع. وأنت، يا سي مختار، واحد من أولئك العظماء الذين يعطون بلا حساب. لم نكن نعرف يومها كم كنت عظيمًا، كم كنت كريمًا، لكننا كنا نشعر بذلك كلما قست علينا الحياة، فكنت دائمًا أملًا صامتًا، وحضورًا يخفف ثقل الأيام.كان يعرف أسماءنا، يحفظ وجوهنا، ويعاملنا كأمانة. ظلّ على عهده إلى أن غادر إلى التقاعد في هدوء يشبهه. حزنت لأنني لم أحضر توديعك، لكن الزمن عاد دفعة واحدة حين رأيت صورتك في وجوه الأصدقاء، فعادت اللحظات كما كانت: مرة موجعة بالفراق، ومرة دافئة بذكراك.لروحك السلام، يا سي مختار.أنا مدين لك… بلحظة صدق، وبكل نصيحة همست بها في أذني الصغيرة.!
اغفر لي غيابي، وطول انتظارك… لهذا النص.
لروحك السكينة.
بقلم عمر الوسلاتي