«يا تونس الخضراء»
صلاح مصباح… حين يدافع الفنان الأصيل عن كرامة الفن
ليست الحملة التي استهدفت الفنان الأصيل صلاح مصباح سوى مرآة لخلل أعمق في علاقتنا بالفن وبمن يصنعه. فقد بدا وكأن مجرد مطالبة فنان بتنظيم ظهوره الإعلامي، واحترام عمله، وضمان حدّ أدنى من الحقوق المادية والمعنوية، تحوّل إلى “تهمة” تستوجب التشهير والتشكيك. والحال أن ما قاله صلاح مصباح ليس خروجًا عن المألوف، بل عودة ضرورية إلى البديهي.إن جزءًا واسعًا من المشهد الإعلامي اليوم، إعلام “الطناجر” والماركانتية وتبييض التفاهة، يعيش على عائدات الإشهار، ويُراكم الأرباح من برامج تستهلك الفن ولا تحترمه، تستدعي الفنان كزينة أو كخلفية صوتية، دون أي اعتبار لكون الفن صناعة مكلفة، يدفع الفنان ثمنها من عمره وموهبته وموارده الخاصة. لا الدولة تضمن للفنان حدًّا من الأمان، ولا الشركات الراعية للبرامج التافهة ترى فيه شريكًا مستحقًا، بل مجرّد أداة استهلاك سريعة.من هذا المنطلق، يصبح موقف صلاح مصباح دفاعًا عن كرامة الفنان قبل أن يكون دفاعًا عن شخصه. فدعم الفن لا يكون بالتصفيق المجاني ولا بالشعارات العاطفية، بل بدعم الفنانين ماديًا، وخلاص أجورهم، والاعتراف بحقهم في تنظيم علاقتهم بالإعلام، كما يفعل أي مهني في أي قطاع آخر. إن المطالبة بالاحترام ليست ابتزازًا، بل شرطًا أساسيًا لاستمرار الإبداع.ولعل ما يزيد هذا الموقف عمقًا وصدقًا هو أن صوت صلاح مصباح لم يكن يومًا صوتًا معزولًا عن الأرض والناس. هو صوت تونس الخضراء، صوت الوديان والبحر والصحراء، صوت “وادي مجردة والمليان”، صوت القمح والزيتون والليمون، صوت الصبي والشيخ، وبنات تونس الأحرار. ذلك الصوت الذي غنّى للوفاء والصبر، وللمطر والزرع، وللمجد والتاريخ، لا يمكن اختزاله في منطق السوق أو إخضاعه لقوانين التفاهة.الدفاع عن صلاح مصباح اليوم هو دفاع عن فكرة بسيطة وعادلة: أن للفن قيمة، وللفنان حقًا، وللإبداع كرامة. ومن لا يرى في ذلك إلا “شروطًا” أو “تعاليًا”، إنما يساهم، عن وعي أو عن جهل، في ترسيخ الرداءة، وفي إفقار الروح الجماعية لهذا البلد.صلاح مصباح لم يطلب امتيازًا، بل طالب بالحد الأدنى من الإنصاف. وفي زمن تُهان فيه القيم بسهولة، يصبح هذا الموقف في حد ذاته فعل مقاومة ثقافية، يستحق الدعم لا التشويه.


