كيف صار الهاتف سلاحًا ضد النساء؟…بقلم عمر الوسلاتي

كيف صار الهاتف سلاحًا ضد النساء؟
لم يعد الخطر اليوم قادمًا فقط من غرفة مظلمة أو من قرار إداري جائر، بل من هاتف مرفوع بثقة زائفة، وكاميرا تُشغَّل بلا إذن، وبث مباشر يُطلق دون تفكير. في ثوانٍ قليلة، يمكن لأي شخص أن يحوّل امرأة عاملة، موظفة، طبيبة، أو حتى عابرة سبيل، إلى مادة للتشهير ومحاكمة أخلاقية علنية، فقط لأنه قرّر أن يصوّر وينشر.
التصوير دون رضا ليس حقًا، بل اعتداء مُجرّم. في تونس، الصورة والفيديو لا يُعتبران محتوى حرًا ولا “غنيمة رقمية”، بل معطيات شخصية يحميها القانون عدد 63 لسنة 2004 المتعلّق بحماية المعطيات الشخصية. هذا القانون يعتبر أن التقاط الصور أو تسجيل الفيديو أو حفظه أو نشره أو تداوله، كلّها أفعال تُعدّ قانونًا “معالجة لمعطيات شخصية”، ولا تكون مشروعة إلا برضا صريح من المعني بالأمر أو في حالات استثنائية محدّدة على وجه الحصر. كل تصوير يتم دون علم أو موافقة هو معالجة غير مشروعة، وكل نشر أو بث مباشر يضاعف جسامة الفعل ويشدّد المسؤولية.
القانون يجرّم صراحة التقاط أو تسجيل المعطيات الشخصية دون ترخيص، كما يجرّم نشرها أو استعمالها بما يمسّ بالحياة الخاصة أو بالكرامة أو لغرض الإساءة أو التشهير، ويُرتّب على ذلك عقوبات جزائية إلى جانب المسؤولية المدنية والتعويض، دون اشتراط قيام ضرر مادي، إذ يكفي المساس بالحق ذاته. في الفضاء الرقمي، يصبح الضرر مضاعفًا، واسع الانتشار، ومستمرًا، ولا يمكن التراجع عنه.
الأخطر أن هذه الممارسات ليست عشوائية. المستهدف في الغالب هو النساء، داخل فضاءات العمل أو أثناء الاستراحة أو في وضعيات إنسانية عادية. يُصوَّر الجسد لا الفعل، وتُراقَب الحركة لا الأداء المهني، ثم يُقدَّم الفيديو باعتباره “فضحًا” أو “غيرة على الأخلاق”، بينما هو في الحقيقة تأديب اجتماعي علني. فضاء العمل لا يلغي الحق في الكرامة، والمرأة الموظفة ليست شخصية عامة، والاستراحة ليست عرضًا عامًا، ولا يوجد في أي نص قانوني ما يجيز لمواطن أن يستجوب طبيبة بهاتفه، أو يصوّر عاملة دون إذنها، أو ينشر صورها بدعوى المصلحة العامة. فالمصلحة العامة، في القانون، مفهوم ضيّق لا يشمل التشهير ولا مراقبة الأجساد.
وحين يكون الاستهداف موجّهًا ضد النساء تحديدًا، فإن الفعل يتجاوز مجرد انتهاك الخصوصية ليدخل في دائرة العنف المعنوي والرمزي. وهو عنف لا يترك أثرًا جسديًا، لكنه يهدد العمل، ويزرع الخوف، ويفرض الصمت، ويعيد النساء خطوة إلى الوراء. وهذا بالضبط ما يجرّمه القانون عدد 58 لسنة 2017 المتعلّق بالقضاء على العنف ضد المرأة، الذي يعتبر أن كل فعل يُقصي المرأة، أو يروّعها، أو يعرّض استقرارها المهني أو الاجتماعي للخطر، يُعدّ عنفًا موجبًا للتتبّع والحماية المعزّزة.في مثل هذه الجرائم، لا يُترك الأمر لإرادة الضحية وحدها. النيابة العمومية، بصفتها حامية للنظام العام وممثلة للمجتمع، لها صلاحية بل واجب إثارة التتبّعات الجزائية كلما تعلّق الأمر بأفعال تمسّ بالكرامة الإنسانية والسلامة المعنوية للأشخاص، وخاصة عندما تكون الضحايا من النساء المشمولات بحماية قانونية معزّزة. فالجريمة هنا لا تُصيب فردًا فقط، بل تضرب السلم الاجتماعي وتغذّي ثقافة العنف الرقمي والإفلات من العقاب.ولا يمكن الاحتماء بحرية التعبير. فالدستور نفسه يقرّ بأن هذه الحرية ليست مطلقة، ويجيز تقييدها حمايةً لحقوق الغير وكرامتهم. لا حرية في التشهير، ولا بطولة في البث المباشر، ولا شجاعة في رفع هاتف على امرأة ثم قتلها رقميًا تحت غطاء الأخلاق. ما يحدث اليوم ليس دفاعًا عن القيم، بل انهيارًا للأخلاق الرقمية، وفوضى تُدار بالكاميرا، حيث يُستبدل القانون بزر “نشر”، ويُستبدل القضاء بمحكمة افتراضية بلا ضوابط.حين نسمح للهاتف أن يحاكم البشر، نكون قد سلّمنا كرامتنا جميعًا لعدسة لا تعرف الرحمة ولا القانون. حماية النساء من العنف الرقمي ليست امتيازًا، بل واجب قانوني وأخلاقي، وحماية المجتمع تبدأ من كبح التصوير الممنوع، والنشر المجرّم، ووقف القتل الرقمي الذي يُمارس باسم الفضيلة.
#زر_النشر_يقتل
#التصوير_دون_رضا_جريمة
#العنف_الرقمي_ضد_النساء
#فضاء_العمل_لا_يلغي_الكرامة
بقلم عمر الوسلاتي