لا يموت أهل الخير – بورتريه خالتي مريم!
لا يموتُ إلا الأشرار، لأنهم حين يرحلون لا يتركون وراءهم سوى ظلٍّ بارد يذوب سريعًا. أمّا أهل الخير، فإنهم باقون… يتحوّلون إلى أثرٍ فينا، إلى عادةٍ جميلة، إلى نورٍ خفيّ يسكن القلب كلما هممنا بفعلٍ طيب.هكذا أراها في صورتها الأخيرة.وجهٌ هادئ، يحيط به وشاحٌ أبيض كأنه صفحة نقية من عمرٍ طويل. عيناها واسعتان، فيهما صفاء الريف وطمأنينة من عاش بسيطًا ولم يحمل في صدره إلا الخير. ليست نظرة حزن، بل نظرة تأمّل، كأنها ما تزال تراقب الطريق… طريق المدرسة الترابية، تنتظر أطفالاً يعودون بجوعهم الصغير.في ملامحها وقار السنين، لكن التجاعيد ليست آثار تعب، بل خرائط عطاء. كل خطّ في وجهها يشبه موسمًا من المواسم التي خبزت فيها لنا خبزها الساخن. كنا نعرف حضورها قبل أن نراها؛ كانت الرائحة تسبقها، وكانت يدها تمتدّ بالخبزة كما تمتدّ الأم بقلبها. ثم يأتي الماء، في إبريقٍ بلاستيكي، نحسبه بسيطًا ونجهل ثقله. عشرون لترًا من الرحمة كانت تحمله بصمت، بلا شكوى، بلا انتظار شكر.لم تكن خالتي مريم امرأة عابرة في قرية. كانت درسًا يمشي على قدمين. علّمتنا أن الكرم ليس فائضًا عن الحاجة، بل هو أن تعطي وأنت تعرف قيمة ما تعطي. وأن الدعاء الذي يخرج من القلب يمكن أن يسند عمرًا كاملًا.اليوم، أنظر إلى صورتها، فأراها كما كانت دائمًا: نقية، ساكنة، مطمئنة. كأن البياض الذي يحيط برأسها امتدادٌ لبياض قلبها. رحلت بجسدها، لكن أثرها ما زال حيًّا. في كل خبزة تُقسم، في كل يدٍ تحمل ماءً لغيرها، في كل دعاءٍ يُقال لطفلٍ عابر.لا يموت أهل الخير.إنهم يغيّرون شكل حضورهم فقط.يصبحون ذاكرةً دافئة،ويصيرون معيارًا نقيس به أنفسنا:
هل كنّا كما كانوا؟خالتي مريم…أنتِ لستِ صورةً معلّقة،
أنتِ حياةٌ مستمرة فينا.رحمكِ الله رحمةً واسعة،
وجعل نور وجهك سلامًا دائمًا في قلوبنا.!

بقلم عمر الوسلاتي
portrait شخصية من الذاكرة

