من تجريم الاغتصاب إلى اتفاقية لانزاروت: حماية الطفولة بين النص الوطني والالتزام الدولي

من تجريم الاغتصاب إلى اتفاقية لانزاروت: حماية الطفولة بين النص الوطني والالتزام الدولي
لم يعد الاعتداء الجنسي، وخاصة حين يكون ضحيته طفل، مجرّد واقعة إجرامية معزولة، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدولة والمجتمع على حماية الفئات الأشدّ هشاشة. وفي كل مرة تهزّ فيها جريمة اعتداء جنسي وجدان الرأي العام، يتجدّد السؤال: هل يكفي الغضب؟ وهل تكفي العقوبة؟ أم أنّ الأمر يقتضي منظومة متكاملة تقوم على الوقاية والحماية والمساءلة؟
على المستوى الوطني، مثّل القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة نقطة تحوّل حاسمة في مقاربة جرائم الاغتصاب. فقد أعاد تعريف الجريمة على أساس غياب الرضا، ووسّع دائرة الحماية لتشمل الإناث والذكور، واعتبر الرضا منعدمًا حُكمًا إذا كان سنّ الضحية دون السادسة عشرة. كما شدّد العقوبات، لتصل في الحالات المشددة إلى السجن بقية العمر، خاصة إذا كان الضحية طفلًا أو وُجد استغلال للسلطة أو الثقة أو حالة الاستضعاف.
غير أنّ التشديد الزجري، على أهميته، لا يكفي وحده لبناء سياسة ناجعة لحماية الطفولة. وهنا يبرز البعد الدولي، من خلال اتفاقية لانزاروت، أي اتفاقية مجلس أوروبا بشأن حماية الأطفال من الاستغلال الجنسي والاعتداء الجنسي، المعتمدة في 25 أكتوبر 2007، والتي صادقت عليها تونس وأصبحت ملزمة بتنفيذ أحكامها.
تقوم هذه الاتفاقية على فلسفة واضحة: الطفل، باعتباره كل شخص دون 18 سنة، يتمتع بحق خاص في الحماية، وعلى الدولة أن تتخذ جميع التدابير التشريعية والمؤسساتية لمنع أي شكل من أشكال الاستغلال أو الاعتداء عليه. وهي لا تختزل الحماية في التجريم والعقاب، بل تعتمد مقاربة شاملة ترتكز على أربعة محاور مترابطة: الوقاية، والحماية، والملاحقة القضائية الفعالة، والتعاون الدولي.
في مجال الوقاية، تفرض الاتفاقية اعتماد سياسات استباقية، من بينها التثبت من السوابق العدلية للأشخاص العاملين بصفة منتظمة مع الأطفال في قطاعات التعليم والصحة والرياضة، وإدراج برامج توعوية في المناهج الدراسية تمكّن الأطفال من معرفة حقوقهم وسبل حماية أنفسهم، خاصة في ظل المخاطر المتزايدة المرتبطة بالفضاء الرقمي واستعمال الإنترنت.
أما في جانب الحماية، فتُلزم الدول بإحداث آليات دعم نفسي واجتماعي قصيرة وطويلة المدى، وتوفير خطوط مساعدة سرية، وضمان إمكانية التبليغ عن حالات الاشتباه دون أن يشكّل السر المهني عائقًا أمام حماية الطفل. كما تؤكد على ضرورة حماية هوية الضحية وخصوصيتها، وتفادي إعادة إيذائها خلال التحقيق والمحاكمة، عبر إجراءات تراعي سنّه ونضجه، مثل تسجيل الاستماع بالفيديو واعتماد فضاءات مهيأة.
وعلى المستوى الجزائي، تفرض الاتفاقية تجريمًا صريحًا وواضحًا للاعتداء الجنسي على الأطفال، واستغلالهم في البغاء، وإنتاج أو توزيع أو حيازة المواد الإباحية المتعلقة بهم، إضافة إلى تجريم استمالة الأطفال عبر تكنولوجيا المعلومات لأغراض جنسية. كما توجب عقوبات فعالة ومتناسبة ورادعة، وتمكّن من تحميل المسؤولية للأشخاص الاعتباريين عند الاقتضاء.
ومن أهم ما كرّسته الاتفاقية أيضًا تمكين السلطات من مباشرة التتبعات دون اشتراط شكوى الضحية، وتمديد آجال التقادم بما يسمح بملاحقة الجاني حتى بعد بلوغ الضحية سنّ الرشد، إدراكًا لخصوصية هذه الجرائم التي قد يعجز الطفل عن الإفصاح عنها إلا بعد سنوات.
بمصادقة تونس على اتفاقية لانزاروت، لم تلتزم فقط أخلاقيًا بحماية أطفالها، بل أصبحت ملزمة قانونًا بملاءمة تشريعاتها وممارساتها مع هذه المعايير. وهو ما يقتضي مراجعة دورية للنصوص الجزائية والإجرائية، ودعم الوحدات المختصة، وتعزيز التنسيق بين القضاء والأمن وقطاعات التربية والصحة والشؤون الاجتماعية، مع احترام صارم لقواعد حماية المعطيات الشخصية، خاصة في الفضاء الرقمي.
إن حماية الطفل من الاعتداء الجنسي لا تتحقق بالغضب العابر ولا بالشعارات، بل ببناء منظومة قانونية ومؤسساتية متماسكة، تنتقل من ردّ الفعل بعد وقوع الجريمة إلى سياسة استباقية تمنعها قبل حدوثها. وبين النص الوطني والالتزام الدولي، يبقى التحدي الحقيقي هو التطبيق الفعلي، حتى لا يُترك أي طفل وحيدًا في مواجهة الخطر.
عمر الوسلاتي