وصيّة لا تموت…
في مثل هذا اليوم، لا نؤبّن شاعرًا… بل نستدعي حضورًا لا ينطفئ.محمد الصغير أولاد أحمد لم يكن عابرًا في اللغة، بل كان أحد الذين أعادوا ترتيبها لتليق بالحياة… وبالغضب.الشعراء الحقيقيون لا يموتون…
إنهم يذوبون في الكلمات، يتخفّفون من أجسادهم، ويصيرون ظلًّا للمعنى، ونبضًا في الجملة، وقلقًا جميلاً في ضمير من يقرأ.
أراك…
تخرج من قصيدتك كلّ ليلة، تمشي بيننا، لا كذكرى، بل كحقيقة مؤجّلة.تمرّ على أولئك الذين باعوا أصواتهم، الذين استبدلوا القصيدة بظلّها، وانحازوا للسلطة حين كان ينبغي أن ينحازوا للناس…تنظر إليهم طويلًا، لا لتدينهم، بل لتترك صمتك يقول كلّ شيء:أن المعركة لم تكن يومًا على الكلمات… بل على الكرامة.
كنت تعرف…أن القصيدة موقف، وأن الشاعر لا يُقاس بما يكتب فقط، بل بما يرفض أيضًا.
قلتَها… حين اختلطت الأصوات،
وحين انتفض أبناء هذه الأرض على الخرافة والخوف،
ولم تكن تكتب لتودّع، بل لتوقظ.حتى قصيدتك الأخيرة… لم تكن نهاية، بل كانت مرآة لنا، نرى فيها كم تأخرنا عنك.
قصائدك لم تغادر،أقلامك لم تنكسر،أنت فقط… غيّرت مكانك في النص.في بوعرادة… في تلك الجهات التي تعرف جيدًا معنى التهميش،زرعنا لك مكتبة، لا لتخلّدك، بل لتعيدك حيًّا بين الأطفال.في بيجقة، علّقنا كلماتك على الجدران،فحفظها الصغار كما يُحفظ النشيد، لا لأنهم أُمروا بذلك… بل لأن القصيدة حين تكون صادقة، تجد طريقها وحدها إلى القلوب.اليوم…لا نستعيدك كذكرى، بل كحاجة.
نحتاج صوتك… في زمن تتكاثر فيه الأصوات المستعارة،
نحتاج عنادك… في وجه هذا التعب العام،
نحتاج قصيدتك… لتذكّرنا أن الوطن ليس شعارًا، بل مسؤولية.رحلتَ في 5 أفريل 2016…
لكن الرحيل، في حالتك، كان مجرّد تفصيل زمني.ما زلت هنا…في البلاد التي أحببتها حتى الوجع،
في صباحاتها الثقيلة، وفي مساءاتها التي تبحث عن معنى،في كلّ كلمة حُرّة، في كلّ موقف لا يُساوِم.ما زلت…
ضميرًا لا يهادن،وصوتًا لا يُشترى،وقصيدةً… كلّما حاولوا إغلاقها، فتحت بابًا جديدًا.!!


