معجزة الرأس الأخضر… لم تبدأ في الملعب

معجزة الرأس الأخضر… لم تبدأ في الملعب
حين خسر منتخب الرأس الأخضر أمام الأرجنتين في كأس العالم، لم يخسر قصته. فالمعجزة لم تكن في نتيجة مباراة، بل في وصوله أصلًا إلى هذا المسرح العالمي.
كيف لدولة لا يتجاوز عدد سكانها ستمائة ألف نسمة،600 موزعين على جزر صغيرة في قلب الأطلسي، بلا نفط ولا غاز ولا ثروات معدنية، أن تفرض اسمها بين كبار كرة القدم؟
معجزة الرأس الأخضر بدأت يوم أدركت الدولة أن التنمية ليست بناء الإسمنت، بل بناء الإنسان. بدأت حين اختارت الديمقراطية والاستقرار السياسي، ورسخت التداول السلمي على السلطة، واحترمت المؤسسات، واستثمرت في التعليم والصحة، وفتحت المجال للمجتمع المدني، وجعلت الكفاءة قيمة لا شعارًا.
المنتخب الوطني لم يكن سوى الثمرة الأخيرة لشجرة زُرعت قبل عقود.
لا يمكن أن تطلب من لاعب أن يصنع معجزة وهو نتاج مدرسة متعثرة، أو إدارة مرتبكة، أو غياب للتخطيط. ولا يمكن أن تفصل الرياضة عن المجتمع، فهي صورته المكبرة. فإذا كانت الدولة ناجحة في إدارة مواردها، نجحت في إدارة رياضتها. وإذا تعثرت في إدارة الإنسان، فلن تنقذها النتائج العابرة.ولهذا، فإن الاحتفاء بالرأس الأخضر يجب ألا يكون احتفاءً بهدف أو تأهل، بل بنموذج كامل أثبت أن الدول لا تُقاس بمساحتها ولا بعدد سكانها، بل بجودة مؤسساتها وقدرتها على إطلاق طاقات مواطنيها.
وفي تونس، كما في غيرها من الدول، فإن أي قراءة للإخفاق الرياضي تكتفي بالمدرب أو اللاعب أو الجامعة الرياضية هي قراءة ناقصة. فالنجاح الرياضي ليس مشروع وزارة، بل مشروع دولة.إن معجزة الرأس الأخضر تقول لنا بوضوح: لا تبحثوا عن سر المنتخب… ابحثوا عن سر الدولة التي صنعته.فالانتصارات لا تُولد في الدقيقة التسعين، بل تُولد قبل ذلك بسنوات،في نظامها التعليمي وفي المستشفى، وفي الإدارة، وفي صندوق الاقتراع، وفي احترام القانون.وعندما نُصلح هذه الأسس، يصبح التأهل إلى كأس العالم نتيجة طبيعية… لا معجزة.!!!
بقلم عمر الوسلاتي