مقدمة
يشكّل جبل وسلات أحد أهم المجالات الجبلية في تونس الوسطى، وهو جبل كلسي يقع على بعد نحو 35 كلم غرب القيروان، ويرتبط تاريخيًا بسكانه المعروفين باسم سكان جبل وسلات (الوسالتية). وقد عرف هذا المجال حضورًا بشريًا قديمًا جدًا، إذ تثبت الدراسات الأثرية وجود استيطان يعود إلى العصر النيوليتي، مع شواهد من الرسوم والنقوش الصخرية في مواقع مثل عين الخنفوس ووادي ماجل ووادي شارة.
ولا يمكن فهم تاريخ الوسالتية بمعزل عن هذا المجال الجبلي، لأن هويتهم تشكّلت عبر علاقة طويلة بين الإنسان والجبل، وبين الاستقرار والدفاع والإعمار، لا عبر مجرد الانتماء القبلي الضيق.
سكان جبل وسلات قبل الإسلام وبعده
تُظهر المعطيات الأثرية أن الجبل كان مأهولًا منذ عصور سحيقة، غير أن المصادر العربية الوسيطة لا تقدّمه في زمن الفتح الإسلامي الأول بوصفه مجالًا سكانيًا واضح المعالم. ولذلك فإن القول الأرجح هو أن سكان جبل وسلات (الوسالتية) كما نعرفهم تاريخيًا لم يظهروا في الصورة التي استقرّت في الذاكرة المحلية إلا بعد الفتح الإسلامي، وفي سياقات لاحقة من تشكّل المجال الاجتماعي والسياسي
وبعبارة أدق، لا يبدو أن الجبل كان مأهولًا بالسكان في لحظة دخول معاوية بن حديج سنة 34 هـ، ولا في سياق معارك حسان بن النعمان مع الكاهنة؛ بل إن الحضور السكني والسياسي للجبل تبلور لاحقًا، عندما بدأ يصبح فضاءً مأهولًا ومنظمًا ومتميزًا.
منظومة القيم عند الوسالتية
كان النظام الاجتماعي قائمًا على أسس راسخة من العدل والتكافل، حيث اضطلع شيوخ البطون والعائلات بدور محوري في رعاية شؤون الجماعة؛ فكانوا يتفقدون أحوال المحتاجين فيسعون إلى إعانتهم، ويُيسّرون سبل الزواج للشباب، ويقفون إلى جانب كل من نزلت به مصيبة حتى تنجلي عنه. وقد عُرف عن الوسالتية صلاحهم، وحسن جوارهم، وتمكنهم البالغ من اللغة العربية، تمكّنًا أهّلهم لأن يكونوا من أبرز كُتّاب القيروان في العصر الوسيط.
تميّز سكان جبل وسلات (الوسالتية) بتشييد منظومة قيم اجتماعية متماسكة ورفيعة، شكّلت دعامة أساسية لتماسكهم واستمرارهم عبر العصور. وقد تجلّت هذه المنظومة في أبهى صور التضامن والتكافل الاجتماعي، إذ اشتهروا بسعة الكرم، والحرص على إعالة الفقراء، وكفالة المحتاجين، وتيسير الزواج، ومساندة المنكوبين.
ولم يقتصر هذا الدور على الإحسان الفردي، بل امتدّ ليشمل نصرة المظلوم، وإيواء المستجير، في صورة تعكس نُبلًا أخلاقيًا ساميًا وروحًا جماعية متينة. وقد أسهمت هذه القيم، بما تحمله من معاني الشهامة والنجدة والوفاء، في ترسيخ مكانة الوسالتية كجماعة يُقتدى بها في التراحم الاجتماعي والالتزام الأخلاقي، حتى غدت مثالًا يُستشهد به في الكرم والإحسان في المجال التونسي.
العمران والاقتصاد
تشير الروايات المحلية إلى أن جبل وسلات عرف عمرانًا كثيفًا، قيل إنه ضمّ ما بين 100 و200 قرية ودشرة، إضافة إلى عدد كبير من المساجد والمعاصر والدكاكين والصناعات المختلفة. وقد ساهم سكان جبل وسلات (الوسالتية) في استصلاح الجبل بزراعة الزيتون والكروم وتربية النحل، كما طوّروا مجالات للصناعة والتحويل، بما في ذلك صناعة البارود والمدافع.
و الجبل كان منظمًا تنظيميًا دقيقًا، بحيث فُصل بين المجال السكني أو “المساكن” وبين المجال الصناعي؛ فالمعاصر والدكاكين كانت خارج المجال المأهول، وهو ما يعكس وعيًا مجاليًا متقدمًا وإدارة محلية فعّالة
وتكشف هذه الصورة، سواء بوصفها معطى تاريخيًا أو ذاكرة محلية متوارثة، أن الجماعة لم تكن معيشة هامشية، بل مجتمعًا ذا قاعدة اقتصادية متينة وقدرة عالية على تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي
العسكر والقوة الدفاعية
عرف سكان جبل وسلات (الوسالتية) أيضًا بقوتهم الدفاعية، إذ كان لهم “عسكر وسلات” الخاص، وهو ما يدل على وجود تنظيم عسكري محلي مستقل نسبيًا. وقد ارتبطت هذه القوة بقدرة الجبل على حماية مجاله، وصون مصالحه، والضغط على محيطه حين تدعو الحاجة.
ولم تكن هذه القوة مجرد رمز، بل شكّلت عنصرًا من عناصر الهيبة الاجتماعية والسياسية، خصوصًا في الفترات التي كانت السلطة المركزية فيها ضعيفة أو مضطرة إلى التفاوض مع الجماعات المحلية.
ومن هنا يمكن فهم كيف استطاع سكان جبل وسلات (الوسالتية) أن يظلوا فاعلين في المشهد المحلي، لا مجرد رعايا تابعين.
تذكر الروايات المحلية أن شخصيات سياسية كبرى لجأت إلى سكان جبل وسلات (الوسالتية) وطلبت نصرتهم، ومن ذلك مراد الثالث وعلي باشا ويونس بن علي. وتُفهم هذه الوقائع في سياق تاريخي أوسع يبرز مكانة الجبل كملجأ وقوة مساندة في الصراعات على الحكم. إن هذا الدور لا يعبّر فقط عن مكانة عسكرية، بل عن ثقة سياسية واجتماعية كبيرة، جعلت الجبل فضاءً يُلجأ إليه عند الأزمات، ويُعتمد عليه في استعادة الملك أو ترجيح الكفة.

وبهذا المعنى، لم تكن علاقة سكان جبل وسلات (الوسالتية) بالسلطة علاقة خضوع بسيط، بل علاقة تفاوض وقوة متبادلة التأثير
الأصل والنسب
أما مسألة أصل سكان جبل وسلات (الوسالتية)، فهي من أكثر القضايا التي أثارت النقاش. فالقول بأنهم قبيلة واحدة صافية لا ينسجم مع طبيعة التشكّل التاريخي للمنطقة، لأن الأرجح أنهم كنفدرالية قبلية/سكانية مركبة ضمّت بربرًا وعربًا وغيرهم، مثل كثير من الكونفدراليات في الوسط التونسي.
وتشير بعض الدراسات الحديثة إلى وجود تنوّع في البصمات الجينية داخل هذه الجماعة، من أبرزها السلالات مثل T-M70، E-M35، وJ1 وهي مؤشرات تنسجم مع تاريخ طويل من التمازج السكاني، كما تتوافق مع التركيبة الجينية العامة في تونس وبقية البلاد العربية. ويعكس هذا التنوع ديناميكية سكانية معقّدة تشكّلت عبر قرون من التفاعل البشري والهجرات المتعاقبة.
كما يُحتمل أن ترتبط بعض الفروع بأصول تعود إلى قبائل مزاتة ولواتة، إضافة إلى عناصر وفدت مع جيوش الفتح الإسلامي، أو قدمت من مناطق مثل الساقية الحمراء، فضلًا عن جماعات احتمت بالجبل في فترات مختلفة ثم اندمجت تدريجيًا في نسيجه الاجتماعي من خلال المصاهرة وحسن الجوار.
ويُذكر كذلك مثال قرية الطرابلسين في بلاد حمامة داخل جبل وسلات، ويُقال إن أصل سكانها يعود إلى طرابلس، وهو ما يعكس طبيعة الاستقبال والاندماج التي ميّزت المجال الوسلاتي.
أما الفرضية المنسوبة إلى Arthur Pellegrin حول Usalitanus وUzalae، فهي لا تُعدّ في نظر كثير من الباحثين سوى تفسير افتراضي لا يستند إلى برهان نصي صريح. وقد وُلد Pellegrin في 19 يناير 1891 وتوفي في 24 يوليو 1956، ونشر أعمالًا في تاريخ تونس، لكن الربط اللاتيني الذي اقترحه لتسمية الجبل لا يبدو ثابتًا في المصادر القديمة.
وعليه فإن التسمية العربية المرتبطة بـ«وسلات» تُعدّ الأرجح من حيث الاستعمال التاريخي، إذ يُعزى أصلها إلى طبيعة الجبل الذي تنتشر فيه شبكة من المسالك والطرق الرابطة بين القرى والدُشر، مما أكسبه صفة “الوصلات”. وقد أشار إلى هذا المعنى الونشريسي، في ما يفيد ترجيح هذا التفسير ضمن السياق اللغوي والجغرافي.
خاتمة
إن سكان جبل وسلات (الوسالتية) يمثلون نموذجًا مهمًا لجماعة واسعة التأثير، جمعت بين العمران والاقتصاد والتكافل والقوة الدفاعية، وبين الانفتاح على الوافدين والاحتفاظ بهوية محلية متماسكة وتكشف دراستهم أن الجبل لم يكن مجرد تضاريس معزولة، بل فضاءً لإنتاج مجتمع متكامل، قادر على البناء والدفاع والإعانة والاندماج، وعلى لعب دور معتبر في تاريخه المحلي والإقليمي.
فلكم أن تفخروا بأجدادكم وأصولكم، وأن ترثوا عنهم الصلاح والعزة والشجاعة.
بقلم الباحث محمدعلي الوسلاتي

