وداعًا آمال البكوش… ذاكرة جماعية !
نحن جيل السبعينات، حين نودّع آمال البكوش، لا نودّع ممثلة تونسية فحسب، بل نستعيد جزءًا من ذاكرتنا، من أيام كانت فيها الشاشة الصغيرة تجمع العائلة، وكانت شخصيات المسلسلات تدخل بيوتنا وتصبح جزءًا من أحاديثنا وضحكاتنا.عرفناها وأحببناها في شخصية «جنات العرّافة» في سلسلة «شوفلي حل»، تلك الشخصية التي صنعت لها مكانًا خاصًا في قلوب التونسيين، بملامحها وطريقتها في الكلام ومواقفها الطريفة. لكن آمال البكوش كانت أكبر من دور واحد، مهما بلغت شهرته.فقد بدأت مسيرتها من المسرح، وخاضت تجربة فنية طويلة امتدت إلى التلفزة والسينما، وشاركت في أعمال تونسية عديدة، من بينها «الدوار»، و«قمرة سيدي محروس»، و«إخوة وزمان»، و«الخطاب على الباب»، و«حسابات وعقابات»، كما شاركت سينمائيًا في فيلم «بزناس» لنوري بوزيد.كانت من جيل الفنانين الذين صقلوا موهبتهم على الركح، قبل أن تمنحهم الشاشة شهرة أوسع. واستطاعت أن تنتقل بين الشخصيات الاجتماعية والكوميدية، وأن تترك أثرًا حتى في الأدوار التي لم تكن بطولية.
لكن وراء الصورة التي نضحك معها، كانت هناك فنانة لها مسيرتها وتعبها وطموحها، شأنها شأن كثير من الفنانين الذين نحتفظ بأدوارهم في ذاكرتنا، ولا نعرف دائمًا ما يواجهونه بعيدًا عن الأضواء.وهنا تكمن الحكاية الأهم: أن نحتفي بالفنان لا عندما يرحل فقط، بل وهو بيننا أيضًا. أن نحفظ أعماله، ونوثق تجربته، ونمنحه ما يستحقه من تقدير وفرص لمواصلة العطاء.
آمال البكوش ليست «جنات العرّافة» وحدها. إنها جزء من تاريخ الدراما التونسية، ومن ذاكرة جيل وجد في الفن مساحة للضحك والتأمل ومشاركة تفاصيل الحياة.رحم الله آمال البكوش، ورحم كل الفنانين الذين أهدونا لحظات جميلة، وتركوا في بيوتنا وذاكرتنا شيئًا من الفرح.
وداعًا آمال… ستبقين في ذاكرتنا، لا بوصفك شخصية أضحكتنا فحسب، بل فنانة كانت جزءًا من زمننا.والوفاء الحقيقي للفنان أن ننصفه وهو حي، قبل أن يصبح الرحيل مناسبة لاكتشاف قيمته.!!

