في خضمّ الجدل الذي رافق إضراب عمال وموظفي القطاع البنكي والمالي والتأمين، لم يكن مستغربًا أن تتجه بعض الخطابات الإعلامية إلى شيطنة التحرك الاجتماعي، وتصويره كعملٍ عدائيٍّ ضدّ الدولة أو الاقتصاد. هذا التناول المبتور، الذي يغفل جذور المطالب وعمقها الحقوقي، يعيد إنتاج النظرة القديمة إلى العمل النقابي باعتباره “تعطيلاً للمصالح الحيوية” لا ممارسةً ديمقراطيةً أصيلة.لكن الواقع القانوني والإنساني يقول عكس ذلك تمامًا. فالإضراب، في جوهره، ليس عملاً احتجاجيًا فوضويًا بل ممارسةٌ دستورية مشروعة، نصّ عليها الفصل 36 من الدستور التونسي، وأكّدتها مجلة الشغل، كما كرّستها الاتفاقيتان الدوليتان رقم 87 و98 لمنظمة العمل الدولية، اللتان صادقت عليهما تونس منذ عقود. وبموجب هاتين الاتفاقيتين، يُعتبر الإضراب أحد مظاهر الحرية النقابية ووسيلةً أساسيةً للدفاع عن المصالح المهنية والاجتماعية.إنّ تحميل العمال مسؤولية الخسائر أو تعطيل الاقتصاد ليس سوى انحرافٍ في زاوية النظر. فالإضراب لا علاقة له بأرباح البنوك ولا بتوازنات السوق، بل هو فعل اجتماعي يندرج ضمن صميم العدالة المهنية وكرامة الشغل. والمطالبة بتحسين الأجور أو بتطوير ظروف العمل ليست خروجًا عن القانون، بل استعادةٌ لجوهره الإنساني الذي يربط التنمية بالعدالة الاجتماعية.
إنّ التحركات العمالية ليست غوغاءً ولا فوضى كما يحاول البعض تصويرها، بل هي التعبير الأصدق عن وعيٍ جمعيٍّ تشكّل عبر التجربة والمعاناة، ويدرك أن الحقوق لا تُمنح طوعًا بل تُنتزع ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية. فحين يخرج العاملون للدفاع عن حقوقهم، فهم لا يعطّلون الدولة، بل يذكّرونها بوظيفتها الأصلية: ضمان العدالة الاجتماعية وصون الكرامة الإنسانية.
الجماهير الواعية هي التي تفهم أنّ الإضراب ليس ضدّ الوطن، بل ضدّ الظلم. وأنّ الإصلاح لا يتحقق بالصمت، بل بالمطالبة الجريئة المنظمة. ففي مثل هذه اللحظات، يتحوّل الوعي الجماعي إلى طاقةٍ أخلاقية توازن بين الحقوق والواجبات، بين العمل والمطالبة، بين السلم والمقاومة المدنية.تلك الجماهير التي تُساند كل حركة لا تدمّر النظام، بل تُعيد إليه روحه، لأنها تذكّر بأنّ الدولة ليست مؤسسات جامدة، بل بشرٌ يعملون ويكدّون ويستحقون أن يُسمع صوتهم. وهكذا يصبح الوعي الشعبي هو الضمانة الحقيقية ضدّ انحراف السلطة أو تغوّل رأس المال، وهو الركيزة التي تحفظ التوازن بين الحرية والمسؤولية.إنّ وعي الجماهير لا يُقاس بعدد الشعارات، بل بقدرتها على تحويل الاحتجاج إلى فعلٍ وطنيٍّ راقٍ يعيد العدالة إلى مكانها الطبيعي. فكل حركة اجتماعية تنبثق من هذا الوعي ليست عثرةً في طريق الوطن، بل خطوةً ثابتة نحو كرامةٍ أوسع وعدالةٍ أعمق
بقلم عمر الوسلاتي

