حين تتحوّل معاناة الطفل إلى مادة للفرجة والتشهير
في ظلّ الانتشار الواسع لمقطع فيديو يُظهر طفلًا في حالة انهيار وبكاء، يوجّه اتهامات لمعلّمته بسبب منحه صفراً في عدة مواد، ويتحوّل وجهه المرتجف إلى مادة صادمة للتداول، يتجدّد النقاش حول حدود الإعلام، وأخلاقياته، ومسؤوليته القانونية في التعامل مع الأطفال، خاصة حين يكونون في موقع ضعف أو صدمة.
ما حدث لا يمكن اعتباره مجرّد “سبق إعلامي” أو “تعبير عن الرأي”، بل هو انتهاك صريح لحقوق الطفل، وتجاوز خطير لمبدأ المصلحة الفضلى للطفل الذي يشكّل حجر الأساس في كل التشريعات الوطنية والدولية ذات الصلة.
الطفل ليس خبراً… ولا أداة ضغط القانون التونسي يحظر بشكل واضح نشر أو تداول أي محتوى من شأنه المساس بالحياة الخاصة للطفل أو تعريضه للأذى النفسي أو الاجتماعي، خاصة عندما يكون ضحية وضع تربوي أو نزاع أو ضغط عاطفي. إنّ نشر صورة طفل في حالة خوف أو بكاء شديد، حتى دون ذكر اسمه الكامل، لا يحميه من الوصم ولا من الأثر طويل المدى لهذا التشهير الرقمي.ورغم ذلك، سارعت عديد وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى تداول الفيديو، بل واعتمدته مادة خامًا للخبر والتحليل، دون تحقق، ودون مراعاة للضوابط المهنية والأخلاقية. الأخطر من ذلك أنّ بعض النشطاء، ممن يُفترض فيهم الدفاع عن حقوق الطفل، ساهموا في إعادة نشر المحتوى ذاته، مضاعفين حجم الضرر الواقع على الطفل.المعلم بين البودكاست والطفل: إعلام يُربّي على الاحتقارفي سياق متصل، لا يقلّ خطورة ما بات يُبثّ عبر بعض البودكاستات والبرامج الترفيهية، حيث يُستدعى الأطفال ويُدفع بهم إلى إطلاق أحكام قاسية أو عبارات مهينة في حق معلميهم، كما حدث في مشهد صادم استُخدمت فيه عبارات تحقيرية تمسّ من كرامة المهنة التربوية، بل ومن قيمة العمل الشريف ذاته.السماح للأطفال بالمشاركة في مثل هذه المحتويات، ومنحهم منبرًا للتشهير أو السخرية، لا يمكن اعتباره حرية تعبير، بل هو توظيف غير أخلاقي للأطفال، وزجّ بهم في صراعات رمزية لا يملكون أدوات فهمها أو تبعاتها. هكذا يتحوّل الإعلام من فضاء للتنوير إلى آلة تحقير، ومن أداة مساءلة إلى مسرح إثارة.تحية لكل مربٍ ومربية يرفعان القلم في وجه الجهل، وتحية لكل مهنة شريفة تُختزل اليوم في لقطة ساخرة أو جملة مستفزة بحثًا عن “الترند”.
القانون واضح… والمسؤولية ثابتة
ملحق الاتفاقية الخاصة يبعث اذاعة صريحة في تجريم هذا النوع من الممارسات. إذ ينصّ الفصل 6 على التزام المؤسسات الإعلامية بعدم نشر أي خبر أو صورة من شأنها تعريض الطفل أو محيطه للخطر، حتى مع تغيير هويته. كما يفرض الفصل 7 حماية الأطفال من عنف المضامين السمعية والبصرية، مع ضرورة التحذير المسبق من كل محتوى صادم.ويمنع الفصل 8 توصيف الأطفال بما قد يعرّضهم للأذى أو الوصم الاجتماعي أو الإساءة النفسية مدى الحياة، فيما يحظر الفصل 9 إظهار الأطفال في حالات محددة، من بينها كونهم ضحايا اعتداء، أو متهمين، أو مصابين بأمراض أو عاهات، أو ضحايا فواجع، إلا بشروط صارمة.أما الفصل 11، فيجرّم صراحة استغلال الأطفال اقتصاديًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا، أو توظيفهم للتشهير بذويهم أو بغيرهم لتحقيق أهداف إعلامية أو دعائية.ويأتي الفصل 121 ليضع عقوبات جزائية واضحة لكل من ينتهك الحياة الخاصة للطفل عبر النشر أو الترويج، بالسجن أو الخطية، تأكيدًا على أن حماية الطفل ليست مسألة أخلاقية فقط، بل مسؤولية قانونية مُلزمة.
الإعلام بين الحرية والمسؤولية
حرية الإعلام لا تعني حرية الإيذاء، وحرية التعبير لا تبرّر تعرية الأطفال أمام الرأي العام. الطفل ليس مادة خامًا للسبق الصحفي، ولا وسيلة لتصفية حسابات تربوية أو اجتماعية، ولا أداة لرفع نسب المشاهدة.المطلوب اليوم ليس فقط حذف المقاطع الصادمة بعد فوات الأوان، بل إرساء ثقافة إعلامية تحترم الطفل، وتحمي كرامته، وتُعيد الاعتبار للمربي، وتفصل بين النقد المشروع والتشهير، وبين الخبر والفرجة.فالأطفال ليسوا سلعة في مزاد إعلامي، ولا وقودًا لإثارة عابرة. إنهم مسؤوليتنا الجماعية… والقانون قال كلمته بوضوح.
بقلم عمر الوسلاتي

