رحيل عمار القاسمي… حين يغيب المربّي ويبقى الأثر

لم يكن رحيل عمار القاسمي مجرّد خبر عابر في شريط الأحداث، بل كان لحظة انكسار هادئة في ذاكرة جماعية صنعتها سنوات من العطاء الصامت والعمل الدؤوب. فقد غادر رجلٌ عاش بين السبورة والمنصة، بين قاعة الدرس وخشبة التعبير، تاركًا أثرًا لا يُقاس بعدد السنوات بل بعمق ما زرعه في العقول والقلوب.
في الفضاء التربوي، لم يكن مجرد معلّم يؤدي وظيفة، بل كان من أولئك الذين يؤمنون بأن التعليم فعلُ بناءٍ للإنسان قبل أن يكون نقلًا للمعرفة. رافق أجيالًا وهو يدفعهم إلى التفكير، إلى السؤال، إلى تجاوز حدود المألوف. وكان في الآن ذاته صوتًا حاضرًا في الدفاع عن كرامة المربي، يرى في المدرسة مرآةً لمجتمعٍ ينبغي أن يكون أكثر عدلًا وإنصافًا.
أما في الفضاء النقابي، فقد اختار الانخراط لا بوصفه موقعًا، بل باعتباره موقفًا. ظل قريبًا من نبض زملائه، منحازًا إلى قضاياهم، مشاركًا في معاركهم اليومية من أجل شروط عمل أفضل ومنظومة تعليمية أكثر إنصافًا. لم يكن من الباحثين عن الضوء، بل من أولئك الذين يصنعونه بصبرٍ وإصرار.
في المجال الثقافي، حمل الموسيقى كامتدادٍ طبيعي لصوته الداخلي. ساهم في تأسيس تجربة فنية ملتزمة، كانت ترى في الأغنية وسيلة تعبير ووعي، لا مجرد ترفٍ عابر. عبر الألحان والكلمات، ظل وفيًا لفكرة أن الفن يمكن أن يكون موقفًا، وأن الجمال لا ينفصل عن القضايا الإنسانية.
اليوم، تتقاطع كلمات الرثاء وتتشابه عبارات الحزن، لكن ما يبقى أصدق من كل ذلك هو الأثر: تلاميذ يحملون شيئًا منه، زملاء يستحضرون حضوره، وأصدقاء يعرفون أن بعض الغياب لا يُعوّض. لقد كان من أولئك الذين يمرّون بهدوء، لكنهم يتركون خلفهم صدىً طويلاً لا ينطفئ.