إسبانيا… حين انتصرت الحياة على ضجيج الحرب والعنصرية !!
لم يكن النهائي مجرد مباراة في كأس العالم، بل بدا وكأنه لحظة تختزل معنى الرياضة حين تصبح رسالة. ففي زمن تتصدر فيه صور الحروب نشرات الأخبار، جاءت كرة القدم لتذكر العالم بأن المستقبل لا تصنعه الدبابات، بل تصنعه الملاعب، والأطفال الذين يركضون خلف كرة، والشعوب التي تؤمن بأن الإنسان أغلى من الكراهية.في نيوجيرسي، كتب التاريخ صفحة جديدة. وعلى الملعب نفسه الذي عرف فيه ليونيل ميسي مرارة خسارة نهائي كوبا أمريكا، عاد ليشهد نهاية أخرى حملت مفارقاتها الخاصة، حتى بدا وكأن للمكان ذاكرة لا تنسى. وقبل رفع الكأس، التقطت الكاميرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يلمس الكأس دون أن يرفعه، ليعلق عصام الشوالي بعبارته الساخرة: “ترامب يلمس الكأس ولا يرفعها.” جملة اختزلت المشهد، وكأنها تقول إن الكؤوس لا تمنحها السلطة، بل يمنحها العرق والإبداع. وكان لامين يامال أحد أبرز نجوم النهائي، لاعبًا يجسد صورة إسبانيا الحديثة؛ إسبانيا التي ترى في التنوع قوة، وفي الموهبة هوية، وفي العمل الطريق الوحيد إلى المجد. هذه هي إسبانيا التي أنجبت ثيربانتس، فحوّل الحلم إلى أدب خالد في دون كيخوته، وأنجبت لوركا الذي جعل الحرية قصيدة، وأنجبت بابلو بيكاسو الذي رسم في غيرنيكا أشهر صرخة فنية ضد الحرب، لتبقى لوحته شاهدة على أن القنابل لا تبني أوطانًا، وأن الخراب لا يصنع مستقبلًا. الحرب لا تصنع المستقبل، بل تصنع المقابر والدموع. أما المستقبل، فيصنعه كتاب في يد طفل، ولوحة فنان، وقدم لاعب ترسم البهجة على وجوه الملايين.مبروك لـ”لا روخا”، ومبروك لكل من يؤمن بأن الرياضة يمكن أن تكون لغة للسلام، وأن الإنسانية هي البطولة الحقيقية التي تستحق دائمًا أن ترفع كأسها.!
بقلم عمر الوسلاتي

