في سيدي عبد النور، تلك المنطقة الريفية الواقعة في قلب الجبال، كان يوم أمس، 11 أوت، أكثر من مجرد تظاهرة شبابية. كان يوماً دخلت فيه بعض الأحلام الصغيرة إلى واقع الأطفال، وفتحت في الوقت نفسه نافذة على واقع أكبر، واقع مناطق ما زالت تنتظر نصيبها من الاهتمام والتنمية.التظاهرة نظمتها دار الشباب الفارابي ببوعرادة، بمشاركة جمعية متطوعون بوعرادة . من خلال ورشة الكتابة وورشة الفنون البصرية، وبمساهمة مختلف مكونات النسيج المؤسساتي والمدني. وكان جميلاً أن تلتقي هذه الطاقات حول أطفال يعيشون في منطقة تضم أكثر من 350 عائلة ومدرسة ريفية ابتدائية، محاطة بالجبال وأشجار الصنوبر، ولا تصل إليها السيارة إلا عبر طريق ملتوية ووعرة.لكن الطريق إلى سيدي عبد النور ليست وحدها الوعرة. هناك طرق أخرى أكثر صعوبة، طرق تمتد بين الطفل وحلمه، وبين القرية وبعض الحقوق التي تبدو في أماكن أخرى عادية وبديهية.في ذلك اليوم، كانت هناك طفلة تحلم بأدوات التصوير والرسم، وطفل مأخوذ بسيارات الروبوتيك، وأطفال يكتشفون الألوان والكتابة والفنون، وآخرون يجدون في الحصان والفروسية مساحة للفرح. كانت الأشياء بسيطة، لكنها بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال كانت كبيرة بما يكفي لتفتح أمامهم عالماً جديداً.في ورشة الكتابة، كان الطفل قادراً على أن يضع فكرته على الورق، وأن يقول ما يريد بلغته الخاصة. وفي ورشة الفنون البصرية، كان اللون يتحول إلى مساحة للتعبير، وكانت الصورة تصبح لغة أخرى لا تحتاج إلى كثير من الكلمات.وفي لحظة ما، شعرت أن شيئاً من الحلم تحقق.لكن الفرح كان يحمل شيئاً من الوجع.
لأنك عندما ترى طفلاً يفرح كثيراً بأداة رسم، أو لعبة روبوت، أو فرصة للكتابة والتعبير، لا تستطيع إلا أن تسأل: لماذا يجب أن يكون هذا بالنسبة إليه حدثاً استثنائياً؟ لماذا لا يكون جزءاً من حياته اليومية؟
وماذا بعد انتهاء التظاهرة؟

بعد أن تغادر السيارات، وتنتهي الصور، ويعود الهدوء إلى القرية، سيعود الأطفال إلى واقعهم: إلى الطريق الوعرة، والمدرسة الريفية، وإلى غياب فضاءات الطفولة والإبداع. سيعودون إلى مكان لا يوجد فيه نادٍ دائم للرسم أو المسرح أو السينما أو الروبوتيك، ولا فضاء قريب يستطيع الطفل أن يكتب فيه، ويرسم، ويلعب، ويكتشف موهبته.وهنا يصبح السؤال أكبر من تظاهرة.
يصبح سؤالاً عن السياسة العامة، وعن معنى أن تصل الدولة والمجتمع المدني إلى المناطق الريفية لا في المناسبات فقط، وإنما باستمرار.
قد يأتي مسؤول إلى سيدي عبد النور، يلتقي الناس، يحتفل معهم، ويلتقط الصور مع الأطفال. لكن هل يعود بعد ذلك إلى تلك الصور؟ هل يتوقف أمام وجوههم؟ هل يرى في ابتسامة طفلة سؤالاً عن المستقبل؟ وهل يرى في طفل مفتون بالروبوتيك مشروعاً لموهبة يمكن أن تصبح يوماً ما شيئاً كبيراً؟
هؤلاء الأطفال لا يريدون الشفقة، ولا يريدون أن يكونوا مجرد خلفية جميلة لصورة.هم يريدون حقهم الطبيعي في أن يحلموا.يريدون طريقاً آمناً، ومدرسة أفضل، وفضاءً للعب، ونادياً للرسم والكتابة والمسرح والسينما والرياضة والروبوتيك، وخدمات صحية قريبة، ومستقبلاً لا يجعلهم يشعرون بأنهم يعيشون في هامش الوطن.ولعل أجمل ما حدث في سيدي عبد النور أن جمعية متطوعون ببوعرادة، من خلال ورشة الكتابة وورشة الفنون البصرية، إلى جانب دار الشباب الفارابي وبقية مكونات النسيج المؤسساتي والمدني، لم تذهب إلى الأطفال لتقدم لهم نشاطاً فقط، بل ذهبت لتقول لهم إنهم مرئيون، وإن أحلامهم تستحق أن يصغي إليها أحد.لكن المبادرات الجميلة لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء اليوم.الأطفال لا يحتاجون إلى يوم واحد من الفرح، بل إلى حق دائم في الفرح والإبداع.
لا يحتاجون إلى صورة جميلة فقط، بل إلى واقع أجمل.ولا يحتاجون إلى من يأتي إليهم مرة، بل إلى مؤسسات تبقى قريبة منهم.

سيدي عبد النور جميلة إلى درجة تؤلمك. جبالها، وأشجار الصنوبر، وطرقاتها، ووجوه أطفالها. لكن هذا الجمال يجعل سؤال التهميش أكثر قسوة: كيف يمكن أن تكون الأرض بهذا الجمال، بينما يبقى الوصول إلى أبسط الحقوق بهذه الصعوبة؟
ربما كان الأطفال أنفسهم، من دون خطب ولا شعارات، يكتبون لنا ما يجب أن تكون عليه السياسة.سياسة ترى الطفل قبل الأرقام، والإنسان قبل المشاريع، والحلم قبل الحسابات.
سياسة لا تكتفي بأن تأتي إلى القرية للاحتفال، بل تعود إليها لتبني.في سيدي عبد النور، لم نرَ أطفالاً يلعبون فقط.رأينا وطناً صغيراً في عيونهم.ورأينا مستقبلاً ينتظر أن نمنحه فرصة.
هؤلاء الأطفال لا يطلبون المستحيل… إنهم يطلبون فقط حقهم في أن يحلموا.
بقلم عمر الوسلاتي

