حين تشتعل الغابات وتنطفئ الأنوار وتنقطع المياه: ”الاتصال في الأزمات… ضرورة وليس خيارا”

حين تشتعل الغابات وتنطفئ الأنوار وتنقطع المياه:
”الاتصال في الأزمات… ضرورة وليس خيارا”
في الوقت الذي تكافح فيه فرق الإطفاء ألسنة اللّهب التي اندلعت بعدد من المناطق الغابية، وتواجه البلاد موجة حرّ استثنائية دفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، تجد تونس نفسها أمام أزمة مركّبة لا تتعلق فقط بالطبيعة والمناخ، بل أيضا بقدرة الدولة على إدارة الأزمات والتواصل مع مواطنيها في اللحظات الأكثر حساسية.
تعيش تونس خلال هذه الأيام على وقع أزمة مناخية غير مسبوقة، تجلت في ارتفاع قياسي لدرجات الحرارة قاربت الخمسين درجة في بعض الولايات، وتزامن ذلك مع اندلاع حرائق في عدد من المناطق، من بينها جبل سيدي علي المكي بولاية بنزرت، ومناطق في نابل والحمامات، وباجة إلى جانب حرائق أخرى متفرقة أتت على مساحات من الغابات والغطاء النباتي، راح ضحيتها النبات والحيوان.
وفي خضم هذه الظروف الاستثنائية، وجدت البلاد نفسها أمام ضغوط كبيرة على شبكات الكهرباء والمياه، رافقها اعتماد سياسة الانقطاع المتقطع للتيار الكهربائي في مختلف الجهات. ومع توسع فترات الانقطاع، تأثرت الحياة اليومية للمواطنين بشكل مباشر، وتعطلت أنشطة اقتصادية عديدة، من المخابز والمطاعم والمقاهي إلى الورشات والمشاغل الصغيرة، كما واجه المرضى الذين يعتمدون على أجهزة طبية منزلية أوضاعا بالغة الحساسية، (سجلنا حالات وفاة) في وقت تتزايد فيه المخاوف من التداعيات الصحية والاجتماعية لهذه الأزمة.

كما شهدت بعض المناطق خلال الساعات الماضية احتجاجات ليلية عبّر خلالها مواطنون عن غضبهم من الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه، ولا تزال هذه الاحتجاجات متواصلة في عدة مناطق من الجمهورية، في مؤشر على ارتفاع منسوب الاحتقان الشعبي في ظل غياب إجابات واضحة بشأن طبيعة الأزمة ومدى استمرارها وخطة الدولة لإدارتها.
غير أن اللافت في المشهد ليس فقط حجم التحديات التي فرضتها الكارثة المناخية، وإنما أيضا حالة #الصمت_الاتصالي التي تخيم على مؤسسات الدولة. فمنذ بداية الأزمة، لم يصدر #خطاب_رسمي جامع يشرح للتونسيين حقيقة الوضع، أو يفسر أسباب الإجراءات المتخذة، أو يقدم رؤية واضحة لكيفية إدارة المرحلة المقبلة، سواء من رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة أو مختلف الهياكل المعنية.
وفي علم إدارة الأزمات، لا يُعد الاتصال المباشر مع الشعب عنصرا ثانويا، بل هو أحد أهم أدوات إدارة الكوارث. فالمواطن في أوقات الخوف وعدم اليقين لا يحتاج فقط إلى تدخلات ميدانية، بل يحتاج أيضا إلى المعلومة الدقيقة، وإلى خطاب رسمي يفسر ويطمئن ويحدد المسؤوليات ويعرض الحلول. وعندما يغيب هذا الخطاب، تتسع مساحة الإشاعات، وتتراجع الثقة، ويزداد الاحتقان الاجتماعي.
وقد أثبتت تجارب دولية عديدة أهمية الاتصال في إدارة الكوارث الطبيعية. ففي #اليونان خلال موجات الحر وحرائق الغابات، دأبت الحكومة على عقد إحاطات إعلامية يومية تقدم فيها آخر المستجدات وخطط الإجلاء والتدخل مع توجيه رسائل مباشرة للمواطنين بشأن إجراءات الوقاية. وفي #كندا، أثناء حرائق الغابات الواسعة، اعتمدت السلطات مؤتمرات صحفية دورية ونشرات تحذيرية متواصلة، مع توفير معلومات دقيقة حول تطور الحرائق والخدمات المتاحة للسكان. كما اعتمدت #اليابان، التي تُعد من أكثر الدول تعرضا للكوارث الطبيعية، سياسة اتصال تقوم على السرعة والشفافية والتحديث المستمر للمعلومات بما يعزز ثقة المواطنين ويحد من حالة الهلع.

وتؤكد مبادئ إطار #سنداي للحد من مخاطر الكوارث (2015-2030)، الذي اعتمدته الأمم المتحدة، أن التواصل الفعال مع السكان وإتاحة المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، يمثلان ركيزة أساسية للحد من آثار الكوارث وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود. كما تشدد التوصيات الدولية الصادرة عن منظمات أممية متخصصة في إدارة المخاطر على أن الشفافية والانتظام في التواصل الرسمي يسهمان في بناء الثقة والحد من انتشار المعلومات المضللة أثناء الأزمات.
إن ما يحتاجه التونسيون اليوم ليس فقط مواجهة الحرائق أو تأمين استمرارية المرافق الأساسية، أو تحميل المسؤولية لأعوان شركات الكهرباء والغاز وإنما أيضا إدارة اتصالية مسؤولة تواكب حجم الأزمة. فالمواطن الذي يعيش تحت وطأة الحرارة المرتفعة ويعاني انقطاع الكهرباء أو المياه، أو يخشى امتداد الحرائق إلى محيطه، من حقه أن يعرف ما الذي يحدث، وما هي الإمكانيات المتاحة للدولة، وما هي الإجراءات التي يجري اتخاذها، وما هو الأفق الزمني لتجاوز هذه الظروف الاستثنائية.
إن #الصمت في زمن الأزمات لا يطمئن الناس، بل يضاعف مخاوفهم. والفراغ الاتصالي لا يملؤه إلا سيل من الإشاعات والتأويلات التي تزيد من حالة القلق وفقدان الثقة.
وأمام دقة المرحلة، تبدو الحاجة ملحة إلى أن تتوجه رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة بخطاب واضح ومباشر إلى التونسيين، يشرح حقيقة الوضع ويقدم رؤية الدولة لإدارة هذه الأزمة المناخية وتداعياتها، ويضع المواطنين في صورة الإمكانيات والتحديات والإجراءات المنتظرة.
فالوضوح ليس ترفا سياسيا، بل هو واجب دستوري وأخلاقي في إدارة الشأن العام والحق في المعلومة لا يسقط في أوقات الأزمات، بل يصبح أكثر إلحاحا. كما أن طمأنة المواطنين، ومصارحتهم بالحقائق، وإشراكهم في فهم ما تعيشه البلاد، تمثل اليوم أحد أهم شروط الحفاظ على السلم الاجتماعي وتعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها في مواجهة هذه الكارثة الطبيعية.
بقلم يسرى الرياحي