ليس ميلاد الرئيس… بل ميلاد الحلم التونسي

ليس ميلاد الرئيس… بل ميلاد الحلم التونسي
في ذكرى الزعيم الحبيب بورقيبة… الذكرى التي لا ينساها جيلٌ بنى الدولة، ولا يستطيع التاريخ أن يتجاوزها
ليست المسألة، في ذكرى الثالث من أوت، أن نحتفل بميلاد رئيس للجمهورية، بل أن نستحضر ميلاد حلمٍ اسمه الدولة التونسية الحديثة. فالأمم لا تخلّد الرجال لأنهم حكموا، بل لأنها وجدت في مشاريعهم نقطة تحول صنعت مستقبلها.
الحبيب بورقيبة لم يكن مجرد أول رئيس للجمهورية، بل كان مؤسسًا لمشروع وطني متكامل، انصرف إلى بناء الإنسان قبل بناء السلطة. ففي زمن كانت فيه شعوب المنطقة ترزح تحت وطأة الجهل والفقر والمرض والحروب، جعل التعليم حقًا، والصحة خدمة عمومية، وكرّس مكانة المرأة في المجتمع، وبنى مؤسسات الدولة الحديثة على أسس القانون والإدارة والكفاءة.
لا تحاكموا بورقيبة اليوم بمعايير اللحظة وحدها، فقد استهلكنا، على امتداد عقود، جزءًا كبيرًا مما بناه. وما يزال التونسي، إلى اليوم، يعيش داخل الدولة التي أرساها: يتعلم في مدارسها، ويتداوى في مستشفياتها، ويحمل جواز سفرها، ويحتكم إلى مؤسساتها، حتى وإن أصاب بعضها الضعف والتراجع.
من حق الجميع أن يراجع التجربة البورقيبية، وأن ينتقدها، وأن يختلف معها. لكن ليس من حق أحد أن ينكر التاريخ أو يختزل الرجل في خصومة إيديولوجية. فالتاريخ لا يكتبه الغضب، ولا تمحوه الشعارات، وإنما تصنعه الوقائع والإنجازات.
إن الذين يهاجمون بورقيبة كل عام في ذكرى ميلاده، يغفلون حقيقة بسيطة: أن الدولة التي ينتقدونها هي، في جوهرها، ثمرة المشروع الذي أطلقه. وربما كان من الإنصاف أن نفرّق بين نقد السياسات، وهو حق مشروع، وبين إنكار الدور التأسيسي لرجل غيّر وجه تونس.
لهذا، فإن ذكرى ميلاد الحبيب بورقيبة ليست احتفاءً بشخص، بل استحضارًا للحظة تاريخية وُلد فيها حلم الدولة الوطنية. وهي ذكرى لا ينساها جيل كامل من بناة الدولة، لأنها لم تكن ذكرى ميلاد رجل فقط، بل ذكرى ميلاد فكرة ما زالت، رغم كل الأزمات، تحمل اسم تونس.يمكن أيضًا أن يُختتم المقال بعبارة ذات وقع قوي:
“قد يختلف الناس حول بورقيبة، لكنهم لا يستطيعون أن يعيشوا خارج التاريخ الذي أسهم في صناعته.”
بقلم عمر الوسلاتي