هل تكفي محادثات “فيسبوك” لهدم الأسرة أمام القضاء؟

هل تكفي محادثات “فيسبوك” لهدم الأسرة أمام القضاء؟
لم يعد النزاع الأسري اليوم يُدار فقط داخل جدران البيت، بل انتقل إلى الهواتف الذكية وصفحات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت المحادثات الإلكترونية والصور الرقمية تُقدَّم أمام المحاكم باعتبارها أدلة على الخيانة أو الضرر الزوجي. غير أنّ هذا التحول الرقمي يطرح سؤالًا قانونيًا بالغ الخطورة: هل كل ما يظهر على الشاشة يمثل الحقيقة فعلًا؟ وهل يجوز اختراق الحياة الخاصة باسم حماية الأسرة؟إنّ الاعتماد على محادثات وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة لإثبات “الضرر” في دعاوى الطلاق أو الخيانة أو المساس بالواجبات الزوجية يطرح إشكالًا قانونيًا دقيقًا يتعلّق بالتوازن بين حقّ الفرد في احترام حياته الخاصة من جهة، وحقّ الخصم في الإثبات وحماية الأسرة من جهة ثانية. وقد اتجه فقه القضاء المقارن، وخاصة فقه قضاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، إلى اعتبار أن الدليل الرقمي لا يكون مشروعًا إلا إذا تم الحصول عليه بصفة قانونية، متناسبة، وتحترم جوهر الحياة الخاصة.فالحياة الخاصة ليست مجرد فضاء مادي، بل تشمل أيضًا المراسلات الإلكترونية، المحادثات الشخصية، الحسابات الرقمية، والصور والمعطيات المتبادلة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي. وقد كرّست المحكمة الأوروبية هذا التوجه استنادًا إلى الفصل 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان الذي يضمن حق كل شخص في احترام حياته الخاصة ومراسلاته. واعتبرت في عدة قرارات أن الولوج إلى المراسلات الخاصة أو مراقبتها أو استخراجها دون ضمانات قانونية كافية يشكّل تدخّلًا غير مشروع في الحياة الخاصة، حتى وإن تمّ ذلك في إطار نزاع عائلي.ومن أبرز المبادئ التي استقرّ عليها فقه القضاء الأوروبي أنّ “الحقيقة الرقمية ليست دائمًا الحقيقة الواقعية”، لأنّ الوسائط الإلكترونية تبقى قابلة للتلاعب والتعديل والانتحال والاختراق، وهو ما يفرض على القاضي التثبت من سلامة الدليل الرقمي ومصدره وطرق استخراجه قبل اعتماده. لذلك شدّدت المحكمة الأوروبية على ضرورة التناسب بين خطورة المساس بالحياة الخاصة وبين المصلحة المراد حمايتها، فلا يجوز التضحية الكاملة بالخصوصية العائلية بدعوى البحث عن الحقيقة.وفي السياق التونسي، سايرت محكمة التعقيب التونسية هذا التوجّه في أحد قراراتها المتعلقة بالطلاق للضرر، حيث اعتبرت أنّ مجرد تضمين محادثات أو صور مستخرجة من حسابات التواصل الاجتماعي ضمن محضر معاينة من قبل عدل منفذ لا يكفي وحده لإثبات الخيانة أو العلاقة غير المشروعة، خاصة إذا لم يقع التثبت الفني من مصدر تلك المعطيات وسلامتها التقنية وعدم تعرّضها للتغيير أو التركيب.وقد بيّنت المحكمة أنّ المعاينة التي يجريها عدل المنفذ تنصبّ فقط على ما هو معروض أمامه ظاهريًا، لكنها لا ترقى بذاتها إلى إثبات يقيني لصحة الحسابات أو نسبتها الفعلية لأصحابها أو سلامة المحادثات من التلاعب. فعدل المنفذ ليس خبيرًا في الجرائم الرقمية أو السلامة المعلوماتية، ولا يمكنه الجزم بعدم اختراق الحساب أو انتحال الشخصية أو اجتزاء المحادثات من سياقها.كما أكّدت المحكمة أنّ وسائل الإثبات الرقمية، رغم مشروعيتها من حيث المبدأ، تبقى خاضعة لرقابة القاضي الذي يتعيّن عليه التثبت من:
1-مشروعية الحصول على الدليل،
2-احترام الحق في الحياة الخاصة،
3_سلامة المعطيات الرقمية،
4_وجود اختبارات أو خبرات فنية مستقلة،
5_ومدى تعزيز ذلك الدليل بقرائن واقعية أخرى.
ويبرز هنا مبدأ أساسي مفاده أنّ حماية الأسرة لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة لهدم الضمانات الأساسية للحقوق الفردية، لأنّ الأسرة نفسها تقوم على احترام الكرامة والحرية الشخصية والثقة المتبادلة. لذلك فإنّ القضاء المقارن يتجه أكثر فأكثر إلى تبني مقاربة توازن بين حق الإثبات وحق الخصوصية، فلا يُقبل الدليل الرقمي إلا إذا كان:مشروع المصدر،سليمًا تقنيًا،متناسبًا مع الهدف المراد تحقيقه،ومعززًا بقرائن مادية أو فنية أخرى.ومن ثمّ، فإنّ الاعتماد على صور لمحادثات “Facebook” أو “WhatsApp” أو غيرها دون خبرة تقنية مستقلة أو دون التثبت من سلامة الأجهزة والحسابات، يبقى دليلًا ناقص الحجية، لا يرقى بمفرده إلى مستوى الإثبات اليقيني، خاصة في مادة تمسّ الشرف والعلاقات الأسرية. إذ إنّ التطور التكنولوجي جعل التزوير الرقمي والاختراق والتعديل أمرًا ممكنًا، وهو ما يفرض على القضاء اعتماد مقاربة حذرة تقوم على حماية الحقيقة الواقعية لا مجرد “الحقيقة الرقمية الظاهرة”.

بقلم عمر الوسلاتي