راديو متطوعون
بنزرت في عيد الجلاء: ذاكرة شعب وتضحيات من أجل السيادة الوطنية
15 أكتوبر 1963 – 15 أكتوبر 2026
في الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء، يحيّي راديو متطوعون هذه المناسبة الوطنية المجيدة، مستحضرًا من مدينة بنزرت صفحات خالدة من تاريخ تونس، ووفاءً لأبناء الشعب التونسي الذين ضحّوا بأرواحهم من أجل تحرير الوطن واستكمال سيادته الوطنية.
بنزرت… ملحمة وطنية لا تُنسى
لم يكن يوم 15 أكتوبر 1963 يومًا عاديًا في تاريخ تونس، بل مثّل محطة حاسمة في استكمال الاستقلال، حين غادرت القوات الفرنسية آخر مواقعها العسكرية ببنزرت، لتنتهي بذلك مرحلة من الوجود العسكري الفرنسي على الأراضي التونسية.
غير أن هذا الإنجاز الوطني سبقتْه تضحيات جسيمة، فقد اندلعت معركة بنزرت في 19 جويلية 1961، وخاض التونسيون مواجهة دامية ضد القوات الفرنسية، شارك فيها عسكريون وأمنيون ومتطوعون ومدنيون، دفاعًا عن حق بلادهم في السيادة الكاملة.
وتشير إحدى الحصائل المنشورة إلى استشهاد 639 تونسيًا، بينهم عسكريون وأعوان من الحرس الوطني ومدنيون، وإصابة نحو ألف آخرين، في حين تورد مصادر تاريخية أخرى أرقامًا مختلفة. ومهما تباينت الإحصائيات، فإنها جميعًا تشهد على حجم التضحيات التي قدّمها أبناء تونس في سبيل الوطن.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بملحمة بنزرت الرائد الشهيد محمد البجاوي، والملازم الأول الشهيد الطيب بن علية، والملازم الشهيد محمد العزيز تاج، والملازم الشهيد الهادي والي. وإلى جانبهم، سقط مواطنون ومتطوعون حملوا في قلوبهم إيمانًا راسخًا بحق تونس في الحرية والسيادة.
إن وراء كل اسم شهيد حكاية عائلة، وحلم وطن، وتضحية تستحق أن تبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال.
بورقيبة والجلاء… محطة في مسار استكمال الاستقلال
ارتبطت معركة بنزرت بمسار سياسي ودبلوماسي قاده الزعيم الحبيب بورقيبة من أجل إنهاء الوجود العسكري الفرنسي.
وفي 15 أكتوبر 1963، غادرت القوات الفرنسية بنزرت، فكان ذلك اليوم عنوانًا لاستكمال مرحلة أساسية من مسار الاستقلال التونسي.
وفي هذه الذكرى، يستحضر راديو متطوعون خطاب الزعيم الحبيب بورقيبة وأجواء الاحتفال بالجلاء، داعيًا إلى العودة إلى التسجيلات الأرشيفية الأصلية، حتى تستعيد الأجيال الجديدة صوت تلك المرحلة وشهادتها التاريخية.
«بني وطني يا ليوث الصدام»… حين غنّت عليّة للجلاء
ولأن الذاكرة الوطنية لا تحفظها الوثائق وحدها، بل تحفظها أيضًا الأغنية والكلمة والصوت، نستحضر في هذه المناسبة الأغنية الوطنية الخالدة «بني وطني» بصوت الفنانة عليّة التونسية، بكلمات عبد المجيد بن جدّو وألحان الشاذلي أنور، وفق المصادر المتاحة.
وفي مطلعها، يصدح صوت عليّة:
«بني وطني يا ليوث الصدام وجند الفداء
نريد من الحرب فرض السلام وردّ العداء»
وتحضر بنزرت في كلمات الأغنية بوصفها رمزًا للنضال من أجل الجلاء:
«وعن ثغر بنزرت نبغي الجلاء
فلسنا نعيش ونحيا سدى»
إنها كلمات تستحضر روح المقاومة، وتعبّر عن إرادة شعب رفض أن تظل سيادته منقوصة، وعن توق التونسيين إلى السلام والحرية والكرامة.
ومع صوت عليّة، يعود بنا التاريخ إلى زمن كانت فيه الأغنية الوطنية جزءًا من التعبئة المعنوية، ووسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية ونقل مشاعر الفخر والتضحية من جيل إلى جيل.
عيد الجلاء… وفاء للشهداء وعهد للأجيال
إن عيد الجلاء ليس مجرد تاريخ في الروزنامة الوطنية، بل هو مناسبة لاستحضار معنى السيادة الوطنية، وتذكّر أن استقلال الأوطان لا يُقاس بالإعلانات وحدها، وإنما بقدرتها على استكمال تحررها وصون قرارها الوطني.
ومن بنزرت، أرض الملحمة والشهادة، يجدّد راديو متطوعون تحيته لكل من ناضل وضحّى من أجل تونس، ويؤكد أهمية نقل هذه الذاكرة إلى الأجيال الجديدة، حتى تعرف تاريخ بلادها وتدرك قيمة ما بذله أبناؤها من تضحيات.
رحم الله شهداء تونس، والمجد لكل من ساهم في تحرير الوطن واستكمال سيادته.
🇹🇳 عيد الجلاء… ذاكرة شعب، ووفاء للشهداء، وعهدٌ متجدّد بصون سيادة تونس وكرامتها.
راديو متطوعون — صوت الذاكرة، وصوت الناس.