من ورشات المناصرة إلى الرائد الرسمي.. كيف تحوّل مطلب عطلة الأمومة إلى حقّ قانوني جديد؟

لم يكن صدور القانون عدد 44 لسنة 2024 المتعلق بتنظيم عطل الأمومة والأبوة في الوظيفة العمومية والقطاع العام والقطاع الخاص حدثا تشريعيا عابرا. وراء النص المنشور في الرائد الرسمي يوم 12 أوت 2024، مسار من النقاش والمناصرة والعمل المشترك بين مؤسسات الدولة والبرلمان والمجتمع المدني والصحفيين والخبراء.

في 31 جويلية 2024، صادق مجلس نواب الشعب على القانون، قبل أن يصدر رسميًا في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 99 بتاريخ 12 أوت 2024. وينطبق القانون على أعوان الوظيفة العمومية والقطاع العام المنخرطين لدى الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، وعلى الأجراء وغير الأجراء في القطاع الخاص المنخرطين والمصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

لكن خلف هذا التاريخ، كانت هناك قصة أخرى، قصة مطلب بدأ من واقع تعيشه آلاف النساء العاملات، ثم تحول تدريجيا إلى قضية عامة، فمقترحات تشريعية، وصولا إلى قانون جديد.

من المطالبة بالتمديد إلى إعادة تنظيم الأمومة

القانون الجديد لا يقتصر على الترفيع في مدة عطلة الولادة وإنما يعيد تنظيم مراحل مختلفة مرتبطة بالأمومة والأبوة.

فالأم الحامل يمكنها الانتفاع بعطلة ما قبل الولادة لمدة تصل إلى 15 يوما خلال الشهر الأخير من الحمل، مع استحقاق كامل المرتب بالنسبة إلى أعوان الوظيفة العمومية والقطاع العام، ومنحة بعنوان عطلة ما قبل الولادة بالنسبة إلى القطاع الخاص.

أما عطلة الولادة فأصبحت ثلاثة أشهر، وترتفع وجوبا إلى أربعة أشهر في حالات ولادة توأم أو أكثر، أو إذا كان المولود حاملا لإعاقة أو خديجا أو لديه تشوهات خلقية تستوجب الرعاية والتدخلات الطبية، شريطة إثبات ذلك بتقرير طبي خلال الأشهر الثلاثة الأولى الموالية للولادة.

وإذا كان المولود ميتا، تنتفع الأم بعطلة ولادة مدتها شهر.

كما يسمح القانون للأم، مباشرة بعد انتهاء عطلة الولادة، بالانتفاع بطلب منها وبعد موافقة رئيس الإدارة أو المؤجر، بعطلة ما بعد الولادة تتراوح بين شهر وأربعة أشهر، مع استحقاق نصف المرتب بالنسبة إلى أعوان الوظيفة العمومية والقطاع العام، ومنحة بعنوان عطلة ما بعد الولادة بالنسبة إلى القطاع الخاص. ويجب تقديم مطلب هذه العطلة قبل انتهاء عطلة الولادة بـ15 يومًا على الأقل.

ولا يتوقف الأمر عند الأم. فقد أقر القانون للأب سبعة أيام عطلة أبوة خالصة الأجر، ترفع إلى عشرة أيام في حالات معينة، من بينها ولادة توأم أو أكثر أو مولود خديج أو طفل حامل لإعاقة أو تشوهات خلقية تستوجب الرعاية الطبية. كما يمنح الأب ثلاثة أيام في حالة ولادة مولود ميت.

الرضاعة.. حق لم يعد مرتبطا فقط بعودة الأم إلى العمل

من أبرز الأحكام التي تستحق التوقف عندها أيضا تلك المتعلقة براحة الرضاعة. فالأم التي تعمل في حصة لا تقلّ عن أربع ساعات يمكنها الانتفاع، بطلب منها، براحة رضاعة مدتها ساعة واحدة في بداية حصة العمل أو نهايتها. وإذا كان العمل موزعا على حصتين، تصبح الراحة ساعتين، ساعة في بداية كل حصة أو نهايتها، بشرط أن تبلغ مدة العمل الجملية سبع ساعات على الأقل يوميا.

وتُمنح راحة الرضاعة لمدة تسعة أشهر ابتداء من تاريخ مباشرة العمل بالنسبة إلى الأم التي لم تتمتع بعطلة ما بعد الولادة. أما الأم التي انتفعت بعطلة ما بعد الولادة، فتستفيد من راحة الرضاعة طيلة الفترة الممتدة بين استئناف العمل وانقضاء سنة كاملة من تاريخ الولادة.

كما يضمن القانون استمرار حقوق الأم والأب خلال عطل الأمومة والأبوة، بما في ذلك حقوق التدرج والترقية والتقاعد، ويحجر تسليط العقوبات أو التسريح على المرأة بسبب الحمل أو الولادة أو الرضاعة أو خلال الانتفاع بالعطل التي نص عليها القانون.

”كنت أخاف أن أجد نفسي مجبرة على العودة سريعا إلى العمل، وأن تمرّ الأيام الأولى مع طفلي بسرعة دون أن أكون إلى جانبه كما أريد. لكن هذه المرة كان الأمر مختلفا…شعرت أن القانون أعطاني الوقت الذي أحتاجه لأتعافى، ولأعتني بطفلي، ولأعيش أمومتي دون أن أشعر أنني مضطرة للاختيار بينه وبين عملي”

كان هذا تصريح أم ”ريسان” والتي اختارت أن لا نكشف اسم المؤسسة العمومية التي تعمل بها. عندما وضعت طفلها بعد دخول قانون عطلة الأمومة الجديد حيز التنفيذ، استفادت من حقوقها كاملة. تمتعت بعطلة الولادة، ثم بعطلة ما بعد الولادة وفق الشروط التي يتيحها القانون قبل أن تعود إلى عملها وهي أكثر استعدادا لهذه المرحلة الجديدة.

وعندما استأنفت عملها، استفادت أيضا من راحة الرضاعة التي يضمنها القانون، ما مكّنها من مواصلة إرضاع طفلها وتنظيم وقتها بين العمل واحتياجات رضيعها. بالنسبة إليها، لم تكن التغييرات مجرّد أحكام قانونية جديدة، بل تجربة ملموسة جعلتها تشعر بأن الأمومة والعمل يمكن أن يتعايشا دون أن تضطر المرأة إلى التضحية بأحدهما.

عندما يصبح الصحفي جزءا من صناعة التغيير

هذه التفاصيل القانونية مهمة، لكن قصة القانون لا تكتمل من دون الحديث عن مسار المناصرة الذي سبق صدوره.

ففي سنة 2023، اختارت منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان – JHR أن تتعامل مع قضية عطلة الأمومة باعتبارها قضية حقوقية وسياسة عامة تحتاج إلى حضور مستمر في الإعلام، وليس مجرد مطلب يطرح مرة واحدة داخل المؤسسات.

نظمت المنظمة في جوان 2023 مائدة مستديرة جمعت نوابا وصحفيين وممثلين عن المجتمع المدني وخبراء وأمهات عاملات، للنقاش حول واقع عطلة الأمومة والحاجة إلى إصلاح الإطار القانوني. كما واصلت تعبئة الصحفيين وإنتاج المحتوى الإعلامي حول الموضوع. ووفق للمعطيات التي يُتيحها موقع  المنظمة، ساهمت الحملة خلال سنة 2023 في إنتاج أكثر من 95 مادة صحفية و31 منبرا إذاعيا حول حقوق الأمهات العاملات وعطلة الأمومة.

هنا لم يكن دور الصحفي نقل ما يحدث داخل البرلمان فقط، بل إبقاء القضية حاضرة في الفضاء العام: “قصص النساء، النقاش حول الحق في الأمومة، ظروف العمل، الرضاعة، والتحديات التي تواجهها المرأة العاملة، خصوصا في القطاع الخاص”.

وكانت المنظمة قد اشتغلت أيضا على إشراك أصحاب القرار. ففي فيفري 2024 نظمت تدريبا لفائدة عدد من النواب حول مشروع القانون وكيفية التواصل الإعلامي بشأنه، وفي اليوم التالي تم إيداع مقترح القانون رسميا في البرلمان.

في هذا المسار، برز أيضا دور القاضي عمر الوسلاتي، الذي استعانت به منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان لصياغة مشروع قانون أولي متكامل حول عطلة الأمومة.

وفي تصريحه لنا على راديو متطوعون بوعرادة أكّد القاضي عمر الوسلاتي أنّ قانون عطلة الأمومة هو مكسب لكلّ النساء العاملات وأوضح أنّ الراحة التي تتمتع بها النساء تساعدها على العودة للعمل وهي في كامل صحتها النفسية والجسدية وتابع قائلا  “إنّ عمل النساء بعد تمتّعهن بعطلة الأمومة سيكون أحسن

بكثير وتكون مردوديتهن عالية لأنّهن تمتّعن بصحتهن النفسية والجسدية، هذا القانون يمكن من تطوير مردودية العمل ومن حماية المجتمع ويساهم في تنشئة سليمة للأطفال”.

وتشير المنظمة إلى أن إعداد النص الأول تم بالاستعانة بالوسلاتي، قبل مواصلة العمل على المشروع وإدخال ملاحظات الأطراف المتدخلة عليه. كما تؤكد أن المسار شمل العمل مع المشرعين وجلسات مع أصحاب القرار، إلى جانب التنسيق مع وزارة المرأة لتطوير النص.

وبالتوازي، اعتمد أصحاب المبادرة البرلمانية مقاربة تشاركية مع المجتمع المدني والخبراء. وقد أكد النائب يوسف طرشون، في تصريح لموزاييك، أن صياغة مقترح القانون تمّت بمشاركة عدد من مكونات المجتمع المدني، من بينها منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان.

في 19 فيفري 2024، أودعت مجموعة من النواب مقترح القانون عدد 13/2024 المتعلق بتنظيم عطل الأمومة والأبوة والوالدية في القطاعين العام والخاص. وتواصلت بعد ذلك جلسات اللجنة البرلمانية المختصة والاستماعات والنقاشات إلى أن تم اعتماد المقترح ومواصلة المسار التشريعي وصولا إلى المصادقة عليه في 31 جويلية.

قيمة هذا المسار لا تقاس فقط بعدد الفصول التي أضيفت إلى مجلة أو قانون، وإنما بما يعنيه النص في الحياة اليومية للمرأة العاملة… أم تحصل على ثلاثة أشهر بعد الولادة وأم لطفل خديج أو طفل يحتاج إلى رعاية خاصة يمكن أن تتمتع بأربعة أشهر وأم تختار عطلة ما بعد الولادة وفق الشروط التي حددها القانون وامرأة عادت إلى عملها ولا تزال بحاجة إلى وقت للرضاعة تجد حقا قانونيا واضحا ينظم ذلك.

من ورشات المناصرة إلى صفحات الرائد الرسمي، لم يكن قانون عطلة الأمومة مجرّد تعديل في عدد أيام العطلة، بل كان ثمرة مسار طويل جعل من تجربة المرأة العاملة قضية عامة تستحق أن تُسمع وتناقش وتُترجم إلى حق قانوني.

 اليوم، أصبح للأم العاملة في تونس إطار قانوني أوسع يحمي فترة ما قبل الولادة وما بعدها، ويمنحها وقتا أكبر لرعاية طفلها، ويكرّس حقها في الرضاعة، كما يعترف بدور الأب في الأيام الأولى من حياة طفله. وهو مكسب لم يأتِ من جهة واحدة، بل تشكّل من تلاقي مبادرات الدولة والبرلمان والمجتمع المدني والصحفيين والنساء أنفسهن.

وفي هذا المسار، لم يكن الإعلام مجرد شاهد على النقاش، بل كان جزءا منه. فقد ساهم صحفيو صحفيون من أجل حقوق الإنسان في إبقاء القضية حاضرة في الفضاء العام، ونقل تجارب النساء، وتنظيم النقاشات والورشات مع الصحفيين والنواب والمجتمع المدني، إلى جانب العمل على مشروع القانون منذ مراحله الأولى، وصولا إلى أن يصبح المطلب نصا تشريعيا.

عمل صحفي ليسرى الرياحي