بوعرادة: ذاكرة الانتماء وواجب الاعتراف!… عمر الوسلاتي

أودّ أن أحيّي الجميع، وأن أتوجّه بالتحية إلى كل من مرّ يومًا بهذا المعهد، وإلى كل من عاش في هذه المدينة العزيزة، مدينة بوعرادة؛ هذه الأرض التي احتضنت طفولتنا، ورافقت خطوات شبابنا، وفتحت لنا شوارعها لنحلم ونطمح ونخطّ لأنفسنا مسارات المستقبل.
كما أتوجّه بخالص الامتنان إلى أساتذتنا، أولئك الذين لم يكتفوا بتلقين الدروس، بل أسهموا في تشكيل عقولنا، ودفعوا بتلك الرؤوس الصغيرة نحو النجاح والتفوّق، حتى بلغت مراتب متقدمة في المعرفة والعلم. فقد لم يكن الفضاء المدرسي مجرّد مكان لنيل الشهادات، بل كان فضاءً حيًّا للتعلّم، ولنسج الصداقات، وبناء العلاقات، وترسيخ القيم المشتركة، وتعلّم معنى الاعتراف بالجميل والوفاء لمن كان لهم الفضل في مسيرتنا.
وأقول لكل الذين نجحوا وتفوّقوا وغادروا هذه المدينة: إنّ لكلّ إنسان ظروفه، الاجتماعية منها أو الصحية أو المهنية، ولا يحقّ لأحد أن يلوم أحدًا على اختيارات فرضتها عليه الحياة. غير أنّ من كان لهذا المعهد فضل فيما بلغه اليوم—من إطارات، ومحامين، وقضاة، وأطباء، ومهندسين، وكفاءات متميّزة في تونس وخارجها—مدعوّ إلى أن يستحضر هذا الجميل، وأن يسهم، ولو بالقليل، في ردّ الاعتبار لهذا الفضاء الذي كان يومًا منطلقه.
ولا يفوتني هنا أن أذكر بعض النماذج المشرفة، من أصدقاء وأبناء هذه المدينة، الذين لم ينقطعوا عن دعمها.
إنّ رسالتي إليكم اليوم هي رسالة اعتراف قبل كل شيء. فالاعتراف بالجميل هو أول طريق البناء، ولا يمكن لأي مدينة أو مجتمع أن ينهض بجهود فردية متفرّقة، بل يحتاج إلى تضافر الأيدي وتكامل العطاء. ومن بلغوا مراتب متقدمة، سواء داخل تونس أو خارجها، مدعوّون لأن يجعلوا من هذه المدينة، رغم صغر حجمها، فضاءً كبيرًا بطاقاته وكفاءاته.
لقد كان من دواعي فخرنا أن نرى هذا الاعتزاز المتبادل، وهذا الإحساس العميق بالانتماء، وأن نعيد الاعتبار لمدينة تاريخية احتضنتنا في سنوات مضت، وساندتنا لنصل إلى ما نحن عليه اليوم. فالمعهد لم يكن يومًا مجرّد جدران، بل كان فضاءً للذاكرة، للعلاقات، للأحلام والآمال.
وفي النهاية، يمكن القول إنّ كل من مرّ بهذا المعهد قد نجح، كلٌّ بطريقته، وكلٌّ وفق مساره، لكنهم يجتمعون جميعًا في أصل واحد، وفي ذاكرة واحدة، وفي واجب أخلاقي مشترك: أن يبقى هذا المكان حيًّا فينا، وأن نردّ له شيئًا مما منحنا.!
بقلم عمر الوسلاتي ..