بين الحق في الإعلام وواجب احترام الكرامة الإنسانية!
أثارت الطريقة التي تناولت بها إحدى القنوات التلفزية الخاصة واقعة إيقاف محامية، من خلال التركيز على صفاتها المهنية واستعمال عناوين مثيرة، تساؤلات جدية حول مدى احترام القواعد القانونية وأخلاقيات المهنة الصحفية المنظمة للعمل الإعلامي في تونس.
فالمرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، وإن كرس حرية الإعلام باعتبارها أحد أعمدة النظام الديمقراطي، فإنه جعل ممارستها مرتبطة باحترام حقوق الغير وكرامتهم وعدم تحويل وسائل الإعلام إلى فضاءات للتشهير أو المحاكمة المسبقة.
كما ألزم المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المتعلق بحرية الاتصال السمعي البصري وإحداث الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا)، المؤسسات الإعلامية السمعية البصرية باحترام أخلاقيات المهنة ومبادئ الموضوعية والنزاهة والتوازن والتثبت من الأخبار واحترام حقوق الإنسان وتؤكد كراسات الشروط المنظمة لإحداث واستغلال القنوات التلفزية الخاصة على ضرورة احترام الحياة الخاصة للأفراد وقرينة البراءة وكرامة الإنسان والامتناع عن بث المضامين التي من شأنها المساس بحقوق الأشخاص أو تقديم معلومات مضللة أو غير متوازنة ولئن كان من حق الجمهور الاطلاع على الأخبار، فإن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة للإثارة أو التشهير. فالخبر يجب أن يستمد أهميته من الوقائع ذاتها لا من الصفات الشخصية أو المهنية للأشخاص ومن هذا المنطلق، يطرح التساؤل حول القيمة الخبرية لإبراز صفات من قبيل “محامية” أو “قاض” أو “طبيب” أو “رجل أعمال”، طالما أن هذه الصفات لا تضيف عنصراً جوهرياً لفهم الواقعة ولا تحقق مصلحة عامة حقيقية، بل قد تؤدي إلى الوصم الاجتماعي وإثارة الأحكام المسبقة وقد أكدت مبادئ كامدن حول حرية التعبير والمساواة لسنة 2009 أن وسائل الإعلام مطالبة بتجنب الصور النمطية وكل ما من شأنه تكريس التمييز أو الوصم، كما تقوم مبادئ جوهانسبرغ لسنة 1995 على مبدأ التناسب والضرورة، بما يقتضي ألا يقع المساس بحقوق الأفراد إلا بالقدر الضروري الذي تقتضيه المصلحة العامة كما يكرس ميثاق أخلاقيات المهنة الصحفية في تونس مجموعة من المبادئ الأساسية التي يتعين على الصحفي الالتزام بها، ومن بينها:
– احترام الحقيقة وحق الجمهور في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة.
– التثبت من الأخبار والمعطيات قبل نشرها.
– التمييز الواضح بين الوقائع والتعليقات والآراء.
– احترام قرينة البراءة وعدم تقديم الأشخاص على أنهم مذنبون قبل صدور أحكام قضائية باتة.
– احترام الحياة الخاصة وكرامة الإنسان وسمعته.
– الامتناع عن كل أشكال التشهير أو التحريض أو الإثارة المجانية.
– تجنب استعمال الصور النمطية أو المعلومات التي لا تخدم المصلحة العامة.
– عدم توظيف الخبر لإشباع الفضول أو لتحقيق نسب مشاهدة على حساب حقوق الأفراد.
ومن ثم، فإن استعمال الصفة المهنية للشخص في العنوان أو في مضمون الخبر لا يكون مشروعاً إلا إذا كانت تلك الصفة مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالواقعة وتشكل عنصراً أساسياً لفهمها أو لخدمة مصلحة عامة واضحة. أما إذا كانت لا تضيف أي قيمة خبرية، فإن إبرازها يتحول من ممارسة لحرية الإعلام إلى شكل من أشكال الوصم والتشهير فالصحافة الحرة لا تقاس بقدرتها على صناعة الإثارة، بل بقدرتها على احترام الحقيقة والكرامة الإنسانية. وفي دولة القانون، لا تصدر الأحكام من العناوين التلفزية ولا من مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما من القضاء وحده، مع ضمان قرينة البراءة واحترام حقوق الإنسان إن حرية الإعلام لا تمنح الحق في تحويل الأشخاص إلى مادة للإثارة، لأن الرسالة النبيلة للصحافة ليست صناعة الفضائح، وإنما خدمة الحقيقة والمصلحة العامة.!!
بقلم عمر الوسلاتي

