حين يتحول التشريع إلى واجهة وتستمر الجريمة!
لم تكن كارثة السبالة يوم 27 أفريل 2019 مجرد حادث مرور عابر، بل كانت فاجعة وطنية هزّت ضمير التونسيين بعد أن أودت بحياة ثلاثة عشر عاملاً وعاملة وأصابت عشرين آخرين، معظمهم من النساء العاملات في القطاع الفلاحي. وقد دفعت هول المأساة بالمشرّع إلى إصدار القانون عدد 51 لسنة 2019 المؤرخ في 11 جوان 2019 والمتعلق بإحداث صنف خاص لنقل العاملات والعملة الفلاحيين، قبل أن يصدر الأمر الترتيبي عدد 724 لسنة 2020 المؤرخ في 31 أوت 2020 لضبط شروط ممارسة هذا النشاط.
غير أنّ ما تلا ذلك كشف أنّ المشكلة لم تكن في غياب النصوص، بل في غياب الإرادة السياسية لتطبيقها. فالقانون الذي وُلد من رحم الفاجعة بقي رهين التعطيل، وتحول إلى حبر على ورق، بينما واصلت “شاحنات الموت” حصد الأرواح في الطرقات والمسالك الفلاحية.
وتؤكد الأرقام حجم هذا الفشل. فمنذ سنة 2015 تم تسجيل 74 حادثاً لنقل العاملات والعملة الفلاحيين، أسفرت عن وفاة 60 شخصاً وإصابة 870 آخرين، وفق المعطيات التي تم نشرها سنة 2024. والأخطر من ذلك أنّ المأساة تواصلت حتى بعد صدور القانون، إذ سُجلت خلال الفترة الممتدة بين 2020 وبداية سنة 2024 ثمانية وثلاثون حادثاً، خلّفت عشرين حالة وفاة وثلاثمائة وثمانية وخمسين جريحاً، بما يؤكد أن النص التشريعي لم ينجح في تحقيق الغاية التي سنّ من أجلها، وهي حماية أرواح النساء والرجال الذين يخرجون كل فجر بحثاً عن لقمة العيش.
إن فساد التشريع لا يقتصر على سوء صياغة القوانين، بل قد يتجسد أيضاً في إصدار نصوص دون توفير شروط تنفيذها وآليات تفعيلها. فالقانون الذي لا يجد طريقه إلى التطبيق يصبح مجرد واجهة سياسية تخفي عجز الدولة عن حماية مواطنيها. ولا يمكن اعتبار الحوادث المتكررة قدراً محتوماً أو مجرد أخطاء فردية، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات عمومية فاشلة ولإهمال مستمر تتوزع مسؤوليته بين مختلف السلطات والهياكل المتدخلة.
لقد فقدت بيانات التعزية معناها أمام تكرار المآسي، وأصبحت أخبار انقلاب الشاحنات جزءاً من المشهد اليومي، وكأن موت العاملات الفلاحيات قدر لا يستحق سوى بيانات الأسف. والحال أن الحق في الحياة والكرامة والأمان لا يتحقق بإصدار القوانين فقط، بل بقدرة الدولة على ضمان تنفيذها.
فحين يستمر نزيف الأرواح بعد سنوات من سن التشريع، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام فشل في تطبيق القانون، أم أمام جريمة إهمال متواصلة؟ ذلك أن الدولة التي تعرف أسباب المأساة وتمتلك أدوات منعها، ثم تعجز عن وضعها موضع التنفيذ، تتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية وقانونية عن استمرار سقوط الضحايا.
لقد آن الأوان للانتقال من إدارة المآسي إلى منعها، ومن الاكتفاء بسن القوانين إلى ضمان نفاذها، لأن أرواح العاملات الفلاحيات ليست أرقاماً في الإحصائيات، بل هي امتحان يومي لمدى احترام الدولة لكرامة الإنسان، ولقدرة التشريع على أن يكون وسيلة لحماية الحياة لا مجرد نص يضاف إلى الأرشيف.
بقلم عمر الوسلاتي

